أضواء على فلسفة التاريخ – بقلم: وليد موحن

التاريخ هو ماضي الإنسانية في كل الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية والفكرية،وأساس الآونة الحالية،ورهان الأزمنة الآتية فمن فهمه ومعرفة قوانينه والاتعاظ بمواعظه ومعرفة رجالاته الدين اثروا فيه يسير الإنسان نحو التقدم المنشود ،ومن هنا جاءت أهمية فلسفة التاريخ باعتبارها العلم والمعرفة التي تهتم بفهم تطور الأحداث التاريخية وصيرورتها والعوامل المتحكمة فيها .

ظهرت فلسفة التاريخ أول مرة كفكر مع العلامة المسلم عبد الرحمن ابن خلدون الذي يعود له الفضل الكبير في تثبيت أسسها،وظهر هذا المصطلح كأول مرة كلفظ مع التنويري الفرنسي فولتير،لكن على ما يبدوا أن فعل التفلسف في التاريخ قديم قدم الزمن حيت نجد بعض أثاره في كتابات الإغريق القدماء مثلا كتاب أرسطو “السياسة” و”الجمهورية” لأفلاطون ،كما أن كتاب الله المبين خصص أكثر من نصف القران للوقائع التاريخية أو ما يصطلح عليها بأساطير الأولين، فالله تعالي يدعونا في الكثير من آياته إلى النظر في التاريخ ومعرفة سننه حيت يقول الله تعالى في كتابه المبين ” قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض وانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين” فهده الآية تدعونا بصراحة إلى البحث في سنن الله وقوانينه،ومع تقدم العصور والعلوم وتوفر الوثائق والأرشيفات تقدمت فلسفة التاريخ وظهرت العديد من النظريات والمدارس والاتجاهات،وسيكون في صلب اهتمامنا في هذا العرض هو المدرسة الحولية الفرنسية التي ظهرت انطلاقا من سنة 1929 وسرعان ما انتشرت أفكارها في سائر أنحاء المعمور،كاستمرار للحركية في ميدان الكتابة التاريخية وكرد فعل علي المدرسة الوضعانية التقليدية الوثائقية الألمانية.

الفلاسفة والتاريخ أية علاقة

من المعلوم أن التاريخ هو ماضي الإنسانية في ابسط تعريف له،وقد تعددت تعاريفه باختلاف الأزمنة والعصور فهو في القاموس العربي يعني الإعلام بالوقت وما وقع فيه من أحداث ووقائع،وعند أبو التاريخ هيرودوت البحث والتقصي في أحوال الماضيين،وعند العلامة ابن خلدون فن من الفنون،وعند هيغل هو مسار تكافح فيه الروح لكي تصل إلي وعي بذاتها،والتاريخ في مجمله دراسة للتطور البشري في جميع جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية،أيا كانت معالم هذا التطور وظواهره واتجاهاته.والفلسفة هي أداة وعالم يهتم بالبحث عن الحقيقة سواء في الطبيعة أو في عالم الميتافيزيقا، وأصلها اللغوي كلمة يونانية ومعناها محب الحكمة وتعنى التأمل التجريدي للظواهر البشرية ومحاولة تفسيرها ، أي النظر وتجريد الظواهر من ملابساتها وتحوليها،بحيث يمكن استخدامها في سياقات أخرى.

والعلاقة بين المفهومين “الفلسفة” و”التاريخ” هو أن الفلسفة تبحث في التاريخ من حيت أحداثه والمتحكمين في سيره، مع محاولة اكتشاف القوانين الموجهة لحركة المجتمعات والدول والنهضات وأسباب صعودها وهبوطها، أي تهتم بتفسير التاريخ وفهم مجرى التاريخ في ضوء نظرية فلسفية معينة،وهذا ما يصطلح عليه بفلسفة التاريخ التي نحن بصدد دراسة بعض نظريتها.
مدارس ونظريات فى فلسفة التاريخ قبل القرن العشرين

لا بد لنا من التطرق إلى بعض نظريات فلسفة التاريخ والتي انطلقت في القرن 14 مع عبد الرحمن ابن خلدون بكونه أول مؤرخ ينقح وينتقى الأحداث والوقائع ويخضعها للنقد والمقارنة والتحليل ولا يقبله كما هو مثل الذين سبقوه فكانت كتابتهم طافحة بالمغالطات والأساطير والخرافات حيت يقول ابن خلدون في مقدمته ‘ ” إن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها،وأدوها إلينا كما سمعوها،ولم يلاحظوا أسباب الوقائع ولم يراعوها”. لذلك حاول ابن خلدون تحليل الأخبار ونقدها ومحاولة معرفة أسبابها والمتحكمين فيها وكيف تنشأ الدولة وتزدهر وتقوى وتموت وتفنى، بحيث جعل ابن خلدون التاريخ مجالا للاستقراء والتحليل والاستنتاج.وكان يريد أن يستنتج القوانين التي تحرك الحراك التاريخي. وهو ما سمح له بالخروج بنظرية التعاقب الدوري للحضارات التي تقوم علي استعارة مفادها أن للدولة أعمار طبيعية مثلا البشر فهي تنشئ علي شكل طفل صغير ينمو ويترعرع حتى يصل إلي فترة الشباب والقوة وتلك هي مرحلة أوج الدولة،ثم يشيخ ويمرض ويموت والدولة أيضا تنهار وتشتت .

بينما النظرية الماركسية تنسب إلي كارل ماركس مؤسس هذا النهج ،الذي يدور فلكه حول فكرة رئيسية هي أن الصراع الطبقي والعامل الاقتصادي هو المحرك الأساسي لعجلة التاريخ، وهي فلسفة حاولت أن تبرهن على فساد النظام الرأسمالي وبشرت بسقوطه وحتمية انهياره،وتنبأت بالشيوعية في مجتمع الإنسانية المقبل بلا طبقات،والذي تتحقق فيه السعادة الكاملة للجميع، لكن هذه النظرية أتبت فشلها بسقوط الشيوعية وانتصار الرأسمالية كما أن العامل الوحيد في تفسير حركية التاريخ هو بدون شك تفسير خطأ.أما هيغل فقد جاء بتفسير يقوم على صراع الأفكار وأنقاضها ودورها في تطور حركة التاريخ،وعلى العموم فهذه فقط لمحة عن النظريات التاريخية التي كانت منتشرة قبل منتصف القرن التاسع عشر والعشرين، ولكل منها جوانب من الصحة وكذا من الأخطاء ، ومع حلول القرن 19 تطورت الكتابات التاريخية بأساليب جديدة ومستحدثة ، وظهرت الوضعانية مع لأنجلو وسينوبوس ،والحوليات مع مفكرين كبار مثلا فيفر وبرود يل وبلوخ.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك