ما الذي يجعل بعض البريطانيين يعتنقون الإسلام ؟

ما الذي يجعل بعض البريطانيين يعتنقون الإسلام ؟

رغم كل التشويه الذي تعرض له الإسلام في الآونة الأخيرة، بسبب تصرفات بعض معتنقيه من أمثال تنظيم داعش الإرهابي، إلا أن ثمة أفراداً مازالوا يقبلون على الدخول في الدين الإسلامي. ربما لو كان هذا الاعتناق للإسلام في ظل ظروف أخرى لكان الأمر عادياً، لكن أن يعتنق البعض الدين الإسلامي في ظل هذه الظروف، فهذا هو ما يدفع للتفكير والبحث عن إجابات، وهذا ما يقدمه هذا المقال.

ما الذي يدفع البريطانيين إلى اعتناق الإسلام؟ كيف قرّر 5 آلاف بريطاني العام الماضي التخلّي عن ديانتهم الأصلية والتحوّل إلى الديانة الأكثر إثارة للجدل في الأعوام الراهنة؟ كيف يتقبّلون القيود الصارمة التي يفرضها الإسلام على المؤمنين، وكيف يتعاملون مع المجتمع ونظراته إليهم؟

في هذا التقرير، تتحدث جريدة الإيكونوميست عن دراسة أخرجتها جامعة كامبريدج إلى النور حول النساء البريطانيات اللاتي اعتنقن الإسلام. أظهرت هذه الدراسة شغف البريطانيين وفضولهم الساعي للإجابة عن هذه الأسئلة، وعن كل ما يتعلق بالرحلات الروحانية، حين تم تحميلها أكثر من 150 ألف مرة.

في الجزء الثاني من المشروع، أجرى مركز الدراسات الإسلامية بالجامعة تحقيقًا دام 18 شهرًا، تناول تجارب 50 ذكرًا ممن اعتنقوا الإسلام. ربّما يساهم هذا المشروع في إعطاء صورة واضحة عن الأسباب التي تدفع البرطانيين إلى اعتناق الإسلام، وعمّا يواجهونه بعدها.

في مجتمع متحرّر كبريطانيا، لا يُلقى الضوء كثيرًا على تغيير الديانات. إلا في حالات نادرة، كأخت زوجة توني بلير التي تكفّل موقعها الاجتماعي بتسليط الأضواء على ذلك الحدث. أو عندما يتعرّض المسلم الجديد لمراقبة من الشرطة للاشتباه في ارتكابه أعمال جهادية عنيفة. لكن في أغلب الأحوال، معتنقو الإسلام الجدد هم أشخاص عاديون؛ منتجٌ طبيعي للمجتمع العالمي الكوزموبوليتاني الجديد الذي تنفتح فيه التجارب الثقافية المختلفة على بعضها، سواءً عن طريق السفر، أو المخالطة الاجتماعية، أو حتى تصفح الإنترنت.

يمضي تقرير الإيكونومست للحديث عن الأسباب في ضوء الدراسة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى. البعض انبهر بالحميمية السائدة في أوساط الجماعات الطلابية المسلمة، والتي يفتقدها في مجتمعه الخاص. فالطالب في السنة الأولى من الجامعة، ينفتح ربّما للمرة الأولى على مختلف العقائد والثقافات، نجد اليقين الذي يتمتع به المسلمون حاضرًا بقوة، مثيرًا للدهشة والانتباه. أما بالنسبة للكبار، فغالبًا ما دفعهم إلى الإسلام لقاءٌ عابرٌ به: ربّما احتفال ما، ربما مناسبة احتكّوا فيها بالثقافة الإسلامية، ربّما خطٌ عربي أو شكلٌ من أشكال العمارة، ربّما نداء مؤذن أو ابتهال داعية. قالت عاملة بالحكومة -هي الوحيدة في قريتها التي ترتدي الحجاب- إنها انبهرت في جولة لها حول الشرق الأوسط بثبات وقوة المسلمين رغم الصوبات التي يواجهونها في حياتهم. وهذه كلماتها:

“بدأت أنظر إلى الشعائر الإسلامية التي كنت أراها قاسية -الصيام، والزكاة، وفكرة الزهد نفسها- بطريقة مختلفة. لم أعد أراها قيودًا تسلسل حريتي الشخصية، بل أدركت أنها طرقٌ لامتلاك النفس والتحكّم فيها”.

طبقًا لتقرير الإيكونوميست، لم يخلُ الأمر من العقبات وخيبات الأمل. الجميع تقريبًا واجهوا مشكلات مع العائلة. بعضهم واجه ذلك الطلب الغريب من أهله بأن يصبح “عاديًا” وينخرط في السُكر والحفلات مثل رفاقه. أما الجنوب آسيويون، وخاصة السيخ والهندوس، فقد واجهوا اتهامات من العائلة بأنهم خانوا دينهم وأصولهم. يأمر الإسلام ببر الأهل والوالدين، لا يفرّق بين مسلمٍ وكافر، لكن هذا لا يمنع وجود بعض المحرّمات، مثل المشاركة المباشرة في الشعائر الدينية المخالِفة للإسلام.

خيبة أملٍ أخرى، هي أن الوحدة  والمساواة التي يبدو عليها الإسلام من الخارج تشرّدها الطائفية من الداخل. الإسلام يمنح الجميع حق مخاطبة الله، لا يضع وسيطًا بين العبد والرب. لكن الخصومات العرقية والطائفية، مثل الخصومة بين المساجد الصومالية والباكستانية، أو الخلاف بين الصوفيين والسلفيين، تجعل الوافدين الجدد على الإسلام حيرى، ضائعين في بعض الأحيان، حيث نبذتهم عائلاتهم نفسها ولم يجدوا القبول المنشود حتى في مجتمعهم الجديد، الذي يراهم في بعض الأحيان جاهلين بالدين، أو طابورًا خامسًا دخيلًا عليه.

ينتهي التقرير إلى حقيقةٍ ثابتة: إن المجتمع الغربي وثقافة القرن الواحد والعشرين تتخذ التعددية وحرية الاختيار شعارًا لها، لكن معتنقو الإسلام يتخذّون قرارًا واعيًا بالتخلي عن نمط الحياة الفضفاض المطاط، ويستبدلون به قواعد الدين الصارمة بشأن المأكل والملبس والحياة الجنسية والمجتمعية. سيتوجّب على المجتمعات الغربية التكيّف مع هذا وذاك، لكيلا تقع في حالة دائمة من الصراع الثقافي، أو ذلك المصطلح الذي يعرفه المسلمون جيدًا: فتنة.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك