(إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) بين جمال البنيان وطي النسيان – بحث قرآني يكتبه متولي حمزة

مدينة أوُبار بمنطقة الأحقاف – حوالي ٣٠٠٠ ق.م – قبل بعثة محمد (ص) بقرون..

كان الجو كالمعتاد، هدوء تام بل قاتل أحيانا، والعامة يسرعون، والقيان – وهم العبيد – تسير راكعين تحت قدم مولاهم، صهيل الأحصنة يدوي بالمكان، والنساء يسرعهن على جانب الطريق الممهد بالورود والزهور ولاسيما زهور الياسمين التي يعشقها من سوف يسير عليها محمولا على عرش على كل جانب منه رجل مفتول العضلات.. قد كلف بحمل العرش الخشبي القويم الذي صنع من خشب الزان القوي وطرز من جوانبه بالذهب والفضة الخالصين وبمنتصفه كرسي قد صنع من الذهب الخالص، وعلى جانبي الكرسي وبموضع راحة اليد نسج عليه أسدان صغيران قد صنعا من الفضة الخالصة، وعلى عارضة صغيرة كتب بخط لا يعرف لغته سوى السادة الأشراف ملاك النساء والقيان جملة صغيرة الحجم، ومحدودة الكلمات، ولكنها عظيمة الدلالة، وها هي.. (صاحب الحصن المشيد.. شداد بن عاد).

ولا شك أن (النذر) قد خلت من بين أيديهم ومن خلفهم لكي لا يعبدون إلا الله.. {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.. وبعد أمد طويل من العناد الذي لا ينتهي بعد.. مل هود (عليه السلام) من قومه؛ فلم يعد يملك شخوصا تلتف حوله إلا من آمنوا به.. فأي ملل هذا؟! .. أعوام طوال ظل يدعو قومه فيها بلا عون ولا مدد من أحد سوى الله.

حقا.. إنه (هود) ولد (عبد الله) الذي جده (رباح) ابن (الخلود) مرورا بالجد الكبير (عاد) ثم (عوص) الذي أبوه (أرم) ابن (سام) الممتد نسبه من (سام) المنتمي إلي نسل (إبراهيم).. فحقا إنه (أبو البشر).

ليلا – في نفس الجو المعتاد – قصر عاد بمدينة الأحقاف – قبل بعثة هود (عليه السلام) بأعوام..
اجتمع (شداد) مع أخوه (شديد) حول أبوهما الهرم (عاد).. نعم إنه (عاد) صاحب القصور التي كانت تفرش من ورود وزهور شبة الجزيرة العربية العطرة.. (عاد) صاحب القصور التي كان العمود الواحد من الأعمدة التي تحمل ذلك القصر يمتد في الفضاء البعيد بلا نهاية واضحة له.. يلتقي (عاد) بولديه (شداد) و (شديد) قبل بعثة (هود).. وها هو قد فارق الحياة قبل أن يوعظ من واعظ أو يهديه أحد إلى سبيل الرشاد.. نعم قد مات (كافرا).. دون أن يؤمن بأي نبي.. والمنطق والعقل يحكمان بلا منزع لهما ليطرحا سؤلا قويما؛ والسؤال هو.. (هل سيدخل النار؟! .. هل سيعذب؟!).. والحق كل الحق أن الجاهليين – أهل الجاهلية – ماتوا قبل بعثة (محمد) – ص – بحوالي (١٥٠ سنة) أو يزيد؛ فماتوا على الكفر؛ مثل (عنترة بن شداد).. فهل سوف يدخل النار؟!.. مع العلم بأنه لم يوعظ هو وغيره من القبيلة ومن أهل الجاهلية من قبل نبي أو رسول؟!.. وبقي (شداد) الأكبر، و(شديد) الأصغر.. شداد المثقف الذي يعشق المطالعة والقراءة حق العشق، وكانت الأساطير كلها والأوصاف – وصف الأشياء – عشقه الأول.. وشديد الباطش القاتل المحب لسفك الدماء ومذلة الناس.. فأخذا يتصرفان في الرعية كيف يشاءان.. يبطش أحدهما؛ فيحفل له الآخر، دون منازع لهما في الحكم، والحق كل الحق أن حضارة (الجبتين) وهم المصريون القدماء – وليسوا الفراعنة؛ فالقدماء المصريون لا يطلق عليهم فراعنة؛ لأن ذلك خطأ لغوي فادح.. وهذا موضوعنا القادم إن شاء رب كاتب هذا الموضوع – كانت حضارة عظيمة عريقة لا شك في ذلك، على عكس حضارة (عاد)، فقد كانت حضارة (عاد) أكثر عراقة وعظمة منها.

بعد أعوام – بعثة هود (عليه السلام) إلى قوم عاد..

قصة (هود) ليست موضوعنا، ولكن سبب إرسال هودا إلى (عاد)، ذلك الحضارة التي لم ير أحد غيرها في العالم، الحضارة التي ظلت أعوام طوال، وسكانها يبعثون في الأرض، بلا شرع!، بلا دين!، بلا شيء!، البطش قوامهم، العظمة رداءهم، الإسراف شرعهم، الزنا مزاجهم، الأموال عصب حياتهم، وفاق البطش الذي هو قوامهم كل الحدود حتى وصل الأمر إلى ملابسهم التي كانت من الذهب والمطرزة من الفضة.

أعوام أخرى..

أحل المرض بشديد – ذلك الابن الأصغر – ففتك به، بعد أن أسلم لهود، ومات مؤمنا بربه، بعد أن ظل فقيرا لربه أعوام بعد إسلامه، بلا قصر، بلا حاشية، بلا مال، بلا طرف، بلا شيء، فمات مؤمنا بربه؛ رب هود، ورب عاد وحاشيته، ورب الملك، بينما ظل (شداد) كافرا بربه لا يستجيب لهود، ينفر من كلامه، ولا يعتني بشيء مما يقوله، وعندما أوحي إلى هود بأن يبشره بالجنة، وأخذ هود يصفها له بالتفصيل – الممل الدقيق – وكان الوصف الذي وصفه هود سببا في بطش (شداد) بأن يبني مدينة تحاكي الجنة وما فيها من خير ورغد كما قال له هود، فقد كان السبب الفرعي لبنائها هو البطش والكبر الذي كان يتملك (شداد) طوال حياته، ولكن السبب الرئيسي المحوري، السبب الأول والأخير، هو تحدي الله ببناء جنة ومدينة لا مثيل لها.. والعقل يطرح سؤلا لا بأس به مرهق ومنطقي؛ والسؤال هو.. (لو لم يصف هود الجنة لشداد ليرغبه في الإيمان به والبعد عن البطش والإسراف.. فهل كان شداد يسرف ويبني – عنادا وكبرا – مدينة (إرم) ليعاند بها ربه؟!)؛ والسؤال المكمل له.. (وهل هذا خطأ من سيدنا هود بأنه دفع شداد إلى العناد؟!).. فقد كان السبب الرئيسي في بناءها هو العناد.. نعم إنه العناد!، فقد قرر شداد – الذي أهلكته الصيحة – أن يبني مدينة سماها فيما بعد (بإرم) لكي يحاكي الجنة!؛ وقد كان لعاد مساحة كبيرة من الأرض وممالك وإمارات كثيرة تنتشر في أرجاء شبة الجزيرة العربية.. وكان لكل إمارة أمير على قومه في ذلك الإمارة؛ ولكن الأمير الأكبر والملك الأعظم صاحب الحصن المشيد هو (شداد بن عاد).. فقد جمع صاحب الحصن المشيد – شداد بن عاد – من الأمراء والملوك التابعين لمملكة عاد كل ما وسعته الطاقة أن يجمع من ذهب، وفضة، ولؤلؤ، ومرجان، وياقوت، وكنوز لا حصر لها، وقد خصص لذلك عمال لا عدد لهم من أرجاء مملكته، وقد حدد مكان مدينه (إرم).. نعم مدينة (إرم ذات العماد).. التي لم يخلق مثلها في البلاد!، على أن يكون مكانها في مدينة (الأحقاف) داخل مملكة (عاد) الممتدة داخل رباع – وهي الصحراء – شبة الجزيرة العربية.. والأحقاف مدينة توجد – الآن – ما بين (اليمن وعُمان)، وهي بالقرب – الآن – من مدينة (صلالة العُمانية بسلطنة عُمان).. وعلى وجه التحديد توجد بشبة الجزيرة العربية.. وأما عن الأحقاف بالقرآن الكريم، فيها رأي قوي يخص اللغة العربية ومعناها (التجمع الرملي الذي استطال ثم حدث اعوجاج به فكون كتل مائلة وهي الأحقاف – أي العظيم المستدير المائل)، والأمر الثاني – لا بأس به – ويخص الإسلام وعلماءه ومعناها (هذه المنطقة التي كانت توجد بها مدينة إرم ذات العماد لأن آية تخص القصة قد ذكرت بها).. والأمر لا يهمني سوى القصة فقط؛ ولكن الإيضاح خير من الإبهام – وجه نظر – وما يهمني الإجابة على السؤالين السابقين في السرد؛ فالعقل لا يهدأ.

إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ..

كانت مدينة (إِرَمَ).. مدينة عظيمة حق الكلمة؛ فبقدر ما استطعت أن أفكر وأتخيل خيال كلي وليس مجرد (خيال مؤلف) وصلت إلى وصف أرى أنه ملم بها؛ فقد كانت مستديرة تظهر أعمدتها على شكل دائرة متسعة.. طول العمود الواحد ألف فرسخ – والفرسخ ثلاثة أميال – ليمتد في الفضاء البعيد إلى ما لا تقدر العين أن تراه.. ووزنه ألفي طن؛ فمعظم العمود الواحد فقط حجر رخامي قويم ومطرز بالذهب الخالص وعليه بعض الفضة التي جلبت خصيصا من بلاد (اليمن) حيث مملكة أخرى لهم كانت هناك، وبين كل عمودين متتاليين درجات سلم صغير ذو خمس درجات.. أول درجة تعلو الأرض بنصف متر.. والدرجة الخامسة – والأخيرة – تتصل بأرض المدينة مباشرة بلا مصعد ولا مهبط.. وبوابتها كانت من الحديد القوي المطلي بمادة عازلة كي لا يبل وكان مطرز بالذهب والفضة ومقبضه يزن طن؛ فقد صنع من الياقوت الأحمر الخالص وعليه بعض المرجان واللؤلؤ.. وكما ذكر بالأسطر السابقة.. بين كل عمودين متتاليين سلم ذو خمس درجات، وأمام كل سلم باب، له نفس الوصف، وكل باب منهم يؤدي إلى داخل المدينة.. المدينة التي بنيت في أعوام طوال.. في مدخلها وراء أي باب منها ناحية الداخل مباشرة شجرة صغيرة لا ثمار بها؛ فبدل هذه الثمار وضعت حلى صغيرة على شكل دائرة من الذهب والفضة.. وكل باب يؤدي إلى طرقة صغيرة؛ فتتجمع كل الطرقات في مدخل واحد أسفل أرض المدينة؛ فيظهر سلم طويل صنعت درجاته من الذهب فقط.. وينتهي هذا السلم إلى (إرم) الحقيقة.. جنة شداد – كما كان يسميها – فيظهر في بدايتها أشجار خضراء شديدة الخضرة كانت لها نفس الطول والشكل واللون، وكانت تنتظم على جانبي الطريق الصغير إلى باقي المدينة..

وأما عن الطريق؛ فقد مهد بالورود والزهور ولاسيما الياسمين – عشق شداد – وبعد عشرة أمتار ينتهي الطريق على شلالات مياه كبيرة الحجم كتب أعلاها بخط ملكي متغطرس (فردوس شداد).. وإذا انحرفنا ناحية اليمن؛ نرى أشجار ثمار وفاكهة وخضروات شهية كل الشهية.. وعظيمة كل العظمة.. وفي أرضها ماعز وخراف لمن يريد أن يعبأ بطنه.. وفي نهاية الناحية اليمنى يقف فتيان أشداء أقوياء.. في يمينهم سهم دقيق حاد عليه سم لادغ لكن خالف أمر شداد وفي شمالهم عارضة صغيرة كتب عليها (صاحب الحصن المشيد .. شداد بن عاد).. وفي أرجاء الناحية اليمنى منها كل ما تريده الرجال من نساء لا بأس فيهن وفي مؤخراتهن الملساء الناعمة ناصعة البياض قد أدخلوا فيها خصيصا لمن يريد الجنس أو الدنس.. وعلى ناحية أخرى – في الناحية اليمنى – خزينة كبيرة يقع دائما وبلا توقف منها دنانير ودراهم من ذهب أصفر لامع لمن يريد المال والعز.. وفي أخرى يقف عبيد صغار السن يومؤون رؤوسهم باستمرار لأسفل بلا توقف قائلين (صاحب الحصن المشيد .. شداد بن عاد).. وإذا عدنا إلى الطريق الرئيسي نجد امرأتين رفعتين سميكتين حسناوتين رموشهما طرزت من الذهب وشفائفهما لونت من الفضة البيضاء.. يرتديان بذلة نسائية قصيرة تستر صدريهما وعوراتيهما فقط وما ظهر منهما كان جميل جذاب؛ ففخذيهما ساطعين جذابين.. وكانت مهمتهما الإشارة بيديهما ناحية الطريق الرئيسي لمن يريد العبور إلى الناحية اليسرى من (إرم).. ناحية (شداد بن عاد) كما كان يسميها.. ففي بدايتها خادم أسود سوادا قاتما، عينه جاحظة، وصدره منفوخ عريض جدا، وقوامه شديد، ورجليه كبيران، ويداه طويلتان، يقف ليسد باب الناحية اليسرى تماما؛ فيهمهم له (شداد) عندما يصل ليوسع له الطريق فيفعل؛ فيدخل (شداد) إلى الناحية اليسرى؛ ليرى فتاتان رشيقتان يحملان ريشا أبيض؛ ليحسسا له على خديه؛ فيقشعر بدنه.. وعلى جانبي الطريق غلمان صغار مرصوصون بانتظام مذهل يقدمون أيديهم اليمنى حاملة الورود لصاحب الحصن المشيد.. والأرض من تحته خضراء زاهية لونها تسر الناظرين.. وإذا نظرنا لأعلى نرى بساتين العنب الأحمر وعلى معارج طويلة منظمة يقف نساء يعصرن العنب خمرا لملكهم في آنية من الزجاج الشفاف ذات القاعدة المعدنية من الذهب والفضة.. وإلى مرمى البصر حدائق وجنان كثيرة من أشجار ونخيل وزرع وفاكهة وما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين – كما يقول صاحب الحصن المشيد – دائما.. وبعد عشرة أمتار من الجنان تظهر سنابك الخيل الأبيض والأسود على جانبي الطريق؛ فعلى يمينه مائة مهرة بيضاء، وعلى يساره مائة فرس أسود.. وبعد أمتار أخرى تظهر عربات وعتاد الحروب للحماية من عدو أو سوء.. وفي نهاية الطريق البعيد يظهر عرش الملك – صاحب الحصن المشيد – ويا له من عرش! .. فقد صنعت قاعدته من الخشب الزان القوي؛ فتظهر قاعدته على شكل مستطيل قويم البنية، صلب القوة، فقد كان حوالي عشرة أمتار عرضا، وخمسة أمتار طولا، وعلى هذا المستطيل القويم وبالتحديد في المنتصف كرسي من الذهب الخالص، ذو أربعة أرجل من الفضة الخالصة، وحشيته من القطن، وشدت عليه ملاءة من الحرير الناعم الاملس، ومسنده من طوله لا تقدر أن تراه؛ فقد صنعت حشيته من القطن وعليه غطاء من الجواهر النفيسة وبعضا من الحرير الناعم الاملس، وأمام ذلك العرش سلم صغير من الرخام الأبيض اللامع ذو سبع درجات، على جانبي كل درجة يقف غلامان أبيضان.. فهكذا كانت المدينة.. وهكذا كانت الناحية اليمنى والناحية اليسرى منها؛ ولكن إذا تقدمنا إلى الأمام دون أن ننحرف يمينا ويسارا داخل المدينة؛ سنرى كل ما هو جميل من أمور الدنيا، حيث ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وسنرى الجواهر كل الجواهر من ذهب وفضة وياقوت ومرجان ولؤلؤ.. سنرى سواقي ماء لا تقف أبدا عن الدوران.. وها هي شلالات العسل الأبيض الحلو الطعم.. وها هي النساء يطبخن.. وسنرى كل ما يسر الناظرين، وكل ما تطلبه الحياة..

كل ذلك كان في الطابق السفلي الأول منها.. وأما عن الطابق الثاني الذي يليه؛ كان من الحجر الجيري على شكل مربع كبير.. وكان مقسم بالترتيب على شكل شقق صغيرة منتظمة المربع، في كل شقة خمس غرف لكل منها شرفة صغيرة تطل على الطابق الأول؛ فمنها ما يطل على الناحية اليسرى منه، ومنها ما يطل على الناحية اليمنى، والشرفات الأخرى تطل على الطريق الممهد للأمام، ومنهم شرفة لا تصل إليها الشمس، وكانت تستخدم كمبرد هواء طبيعي لمن أراد أن تطيب نفسه.. وكان الطابق الثاني يتكون من ألفي شقة، في كل شقة خمس غرف، وهو ما يعادل عشرة آلاف غرفة على نفس النسق.. وأما عن الطابق الثالث؛ فقد كان على شكل مربع كبير على نفس النسق أيضا.. وكان طابق فارغ تماما من أي شيء، بلا شقق، بلا غرف، وكان للعبيد والقيان ليناموا فيه.. وكانت مساحة كل طابق تقل بكثير عن مساحة الطابق الذي يليه كي يصل المبنى في النهاية على شكل مخروط قويم البنية، شديد القوام.. وبعد ذلك يظهر الطابق الرابع – صغير المساحة عن الطابق الذي يسبقه – وكان مكون من أعمدة طويلة، يصل طول الواحد منها خمسة أمتار، وكان سقف الطابق الرابع محمول على عشرين عمودا من الجرانيت الأبيض، ورصت الأعمدة على شكل دائري منتظم، وكان الطابق الرابع مقسم لجزئيين ضيقين؛ أولهما كان لممارسة الجنس لمن يشاء مع حسناوات بيضاوات خالعين ثيابهن تماما بلا سترة ولا ملبس تماما حق الكلمة، وثانيهما صنع خصيصا للخمر والسكر لمن أحب ذلك.. وأخيرا الطابق الخامس كان مسور بسور دائري طوله عشرون مترا بلا سقف، وكان طابق دائري صغير المساحة، كان يطل على السماء الواسعة من كل نواحيه، وفي منتصفه كرسي خشبي كبير ليجلس عليه صحاب الحصن المشيد – شداد بن عاد – حينما يريد أن يستمتع.. وهكذا كانت إرم ذات العماد.

بعد كثير من بعثة هود..

كذب قوم عاد هودا، منهم من قال مجنون، ومنهم من قال سفيه، ومنهم من قال مدعي، ولكن الصبر كان حليفه؛ فدعا الله فأجيبت دعوته، فقد كان مظلوما ونبيا ودعوتهما لا ترد، فمر قوم عاد بجفاف شديد، وقحط قاتل؛ فمات الزرع والنبات والحيوان والإنسان والحضارة التي تكونت، فهرع الجميع مسرعين إلى أصنامهم وآلهتهم يدعونها ويضرعونها بلا عون ولا قربان لهم، فخيل لهم أن صوتا ينادهم من السماء، يخيرهم بين (الريح الحمراء – والريح البيضاء – والريح السوداء)؛ فاختاروا – جميعا – (الريح السوداء)؛ فهبت ريح سوداء – صرصر عاتية – هكذا نوعها ويكفي لعظمته أن يرسل ريحا (عاتية).

الريح العاتية..

الناس يسرعون.. والنساء يصحن.. والأطفال يموتون.. والشباب يركبون البغال.. والعواجز يتمطعون.. والهرمة يتعثرون.. والصياح يشتد.. والصوت يتعالى.. والجو يزداد سوء.. والناس يموتون.. والحوامل يزحفن.. والفتية يختبؤون.. والنبات يقتلع.. والحيوانات تموت.. والأحصنة تصهل.. والديكة تصيح.. والأعمدة العظيمة تندثر.. والقصور تسقط.. لا عون.. لا مدد.. والصياح مستمر.. ودوي العاصفة يزداد.. والناس تهرع.. وآخرون يصبحون: (أين شداد؟؟ .. أين الحصن المشيد؟؟).. لا شداد.. لا عاد.. لا حصن.. لا عون.. لا مدد.. لا حياة بعد اليوم.. القصور قد اختفت.. والقلاع قد قلعت.. والحصون لا وجود لها.. الرماد فقط.. الرمال فقط.. التراب فقط.. العاصفة العارمة.. والصيحة الشديدة.. والريح العاتية.. حقا.. إنها ليال قاحلة.. وأياما حسوما.. لا توقف.. لا نهاية لها؛ لأن مرسلها لم يرد.. حقا.. إنه الله.. إنه الله.. إنه الله.. هكذا قال هود وقومه.

بعد سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا..

لا إرم.. فقد اندثرت تحت الأرض.. الناس صرعى.. الأطفال موتى فلا حول لهم ولا قوة.. فاتحين أفواههم من هول الصدمة.. لا حول لهم.. نعم إنهم مثل أجزاع نخل مجوفة خاوية لا حشو فيها.. ولا أحشاء بداخلها.. أجساد بلا عون ولا مدد.. ونجا هود وقومه.. ومات شداد وحاشية؛ فنعم القوم.. وبئس الحاشية.. ونجا (ابن شداد).. نعم إنه من القوم وليس من الحاشية.. فقد آمن بهود دونا عن والده.. فقد أسلم له وعارض والده بعنف بعدما ألم به شداد أشد إلمام عذابا وبطشا؛ والسؤال هنا.. (أين رأفة الأب بالابن؟!).. فمات الجميع وبقي الله.

ولد صالح يدعو له..

كانت الصيحة قد أهلكت القوم أجمع وتركهم كأجزاع نخل خاوية جوفاء لا حشو فيها ولا قوة، وعندما نجا (ابن شداد) ورأى أبيه ملقى على الأرض ميت هالك كرماد أسود، طلب من (هود) – عليه السلام – أن يكرم والده بدفنه بالرغم من أنه كان يبطش فيه ويقسو عليه؛ فسمح له، والسؤال هنا.. (ما الدافع وراء ذلك؟! .. وما دخل الغريزة الإنسانية في الأمر بأن جعلت الابن يحنو على الأب بعد بطشه؟!).. فدفنه في مغارة في جبل لم يدك أثناء الصيحة، وكتب على لوحة رخامية صغيرة عبرة وموعظة لمن بعده في رسالة صغيرة كتب فيها متحدثا على لسان والده:
“اعتبر أيها المغرور بالعمر المديـــد
أنا شــداد بن عــاد صاحب الحصن العميـد
صاحــب القـدرة والقوة والبأس الشديــــــــــد
كان أهل الأرض طوعي خوف قهري و وعيدي
وملكت الشــرق والغـــرب بسلطــــان شديــــد
فدعــــانا للهـــــدى مــن جاء بالأمــر الرشيـــد
فـــــعصينــاه وقلنـــا لـيس عنـه مـن محيــد
فأتــتنا صيحــــــة مـــن جــانب الأفــق البعيــد
فتراميــــــــنا كـــــزرع وسط بيد في الحصيــد
وانتظرنا تحــــت أطباق الثـرى يـوم الوعيــد”.

وختاما..

يطيب لي في نهاية كلامي الذي أود أن يعجبكم!.. أن أوضح أمرين؛ أولهما.. أنني كتبت كلامي بواقع عقلي ومنطقي فلا تنسوا شيئا اسمه (خيال المؤلف)، وكان من أهم الأهداف وراء كتابة موضوعي هو الأسئلة التي وضعتها وليست القصة – قصة هود – فالكل يعرفها، وأنني من هذه الأسئلة مسلم – لست ملحدا – كي لا تأخذكم الأسئلة محط الكفر.. ألم يعلمونا أن الله إن أحب عبدا فقه في الدين؟!.. فالإيضاح أفضل؛ فلذلك أود الإجابة عليها.. وثانيهما.. أنني لا أحب شيء اسمه المراجع فخير مرجع لي – ولكم – هو المنطق والعقل،، متولي حمزة..

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك