هل يمكن بلوغ اليقين في العلوم الإنسانية؟ – بقلم: خيال بعيد

تناقشت مع صديق عزيز حول اليقين في العلوم . وخلاصة رأيه أن بلوغ اليقين غير ممكن في العلوم الإنسانية … وانا اقول ( بل يمكن بلوغ اليقين في كل العلوم ، بل ويمكن بلوغ اليقين حتى في معرفة وجود الله وصفاته وصدق الرسل ، وبالعقل والبرهان . ولكن بلوغ هذا اليقين ليس بميسور لكل شخص ، فكون الشئ مقدور عليه لا يعني أنه كذلك بالإضافة إلى كل شخص ، بل لابد من الذكاء الفطري وكثرة القراءة والفكر والإحاطة بعلم المنطق إحاطة تامة ، حتى يمكنك أن تكتشف الخدع الفكرية التي تشبه الأدلة وليست بأدلة.

أما العلوم الإنسانية

فيجب اولا أن تحدد لي ما تعنيه بمصطلح (علوم انسانية) !! .. فإن قلت هي الفلسفة وعلم النفس والسياسة والاجتماع والتربية والأنثروبولوجيا … فاني اقول … العلم اما نظري واما عملي .. واعني بالنظري معرفة موجودات ليس وجودها باختيارنا وفعلنا ، واعني بالعملي معرفة موجودات وجودها باختيارنا وفعلنا ، حتى نوجدها على أفضل الوجوه .. ومثال القسم الأول هو الرياضة وعلم الطبيعة وعلم النفس .. ومثال القسم الثاني هو ( كيف نربي طفلا ؟؟ ) و ( كيف نصنع سيارة ) و ( كيف نتفاوض مع دولة أخرى ) و ( كيف تؤلف بين الناس في نسق هو بلد أو مصنع أو مستشفى ) … فالعلم العملي يعرفك كيف تقوم بعمل لتحقيق غاية .. بينما العلم النظري غرضه هو أن نصل لرأي نعتقد فيه حول موجودات العالم التي لم نوجدها نحن ، مثل ( إثبات وجود خالق العالم ) ومثل ( إثبات أن مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين ) ومثل ( إثبات أن الضوء ليس بجسم ) ..أي أن غاية العلم النظري هو الوصول لرأي نعتقده ، بينما غاية العلم العملي هي الوصول لرأي حول عمل لنعمل به . فهذا هو تقسيم العلوم وهو واضح ومفهوم لمن يتأمل.

العلوم الإنسانية

والآن فلننظر في اي القسمين تقع ما تسميه بالعلوم الإنسانية .. فأما الفلسفة ، فلا يوجد اصلا علم اسمه فلسفة له موضوع خاص به وقضايا نود اثباتها فيه .. بل العلوم معروفة بأسمائها ، مثل علم الموجود والنفس والطبيعة والحيوان والنبات ، وليس من ضمن هذه العلوم علم يسمى فلسفة .. بل المعنى الحقيقي للفلسفة أنها عبارة عن الإحاطة بالعلوم كلها ولكن بصورة مرتبة ترتيبا ضروريا ، وذلك بأن تنظر في أعم الأمور وهو ( الموجود ) ثم تهبط إلى المعاني الأخص مثل ( الجسم والنبات والحيوان والإنسان ) . وكل قضية تثبتها بالبرهان في علم اعلى تستعملها لإثبات قضية في علم اسفل ، وهكذا حتى تحيط بالعلوم كلها . ولذلك فلو أنك درست كتب بن سينا فسوف تجد كل العلوم من رياضة ومنطق وفلك ونبات وحيوان وانسان وسياسة ، ولكن بترتيب نسقي ضروري . … فهذا هو مفهوم الفلسفة الحقيقي ، ولكن الغربيون في العصر الحديث زعموا أن ( العلوم انفصلت عن الفلسفة ) وهي مجرد خدعة ، لأنه ليس هناك علم اسمه الفلسفة اصلا حتى تنفصل عنه العلوم ، بل الفلسفة هي معرفة كل العلوم بترتيب نسقي . ومعنى ذلك أنك لا يمكن أن تقول هناك علم إنساني اسمه ( الفلسفة ) .

أما علم النفس

فهو علم نظري ولاشك ، لأن موضوعه هو الانسان ، ونحن لم نوجد الإنسان باختيارنا وفعلنا ، وهذا معناه أنه علم نظري . ولكن هنا خدعة دقيقة لابد من لفت الأنظار إليها ، وهي أن علم النفس عند القدماء هو جزء من الطبيعيات ، فليس عند القدماء شئ اسمه علوم طبيعية وشئ اسمه علوم إنسانية ، بل عندهم ( طبيعيات ) وهي قسمان ( علم طبيعة وعلم نفس ) ، اما علم الطبيعة فيدرس كل جسم غير حي ، اي كل جسم ليس له حركة من ذاته ، فالنبات يدرسونه في علم النفس لا في علم الطبيعة ، وذلك لأن النبات هو النامي ، والنمو حركة في المقدار ، اي في الطول والعرض والعمق ، وهذه الحركة تنبع من ذات النبات وليس من سبب خارج ، ففي النبات قوة يلزم عنها أن ينمو ، اي يلزم عنها حركة هي النمو ، وكل جسم فيه قوة على حركة ما فهو ذو نفس ، ولذلك كان القدماء يدرسون النبات في علم النفس لا الطبيعة ، وكلا العلمين ( اي علم النفس والطبيعة ) هما ( طبيعيات ) ولكن الطبيعيات قسمان ( علم طبيعة وعلم نفس) .. فدراسة الإنسان عندهم هي جزء من ( علم الطبيعيات ) وليست خارجة عنه . اي ليس عندهم مجال علمي اسمه ( علم إنساني ) هو في مقابلة ( علم طبيعي ) كما هو الحال عند الغربيين الآن ، بل علم النفس الانساني هو جزء من الطبيعيات …

اما الغربيون في العصر الحديث فهم لا يفهمون معنى ( علم النفس ) عند القدماء ، بل النفس عندهم مقتصرة على الإنسان ، فإن سمعوا عبارة ( علم النفس ) لم يفهموا منها إلا الكلام عن العالم الباطني من الإنسان ، مثل حبه وكرهه ويأسه واحباطه واكتئابه وأفكاره ، أو أمور يشارك فيها باقي الحيوانات مثل جوعه وشهوته الجنسية وكيف يدرك وكيف يحس وكيف يتخيل . لأنهم يدركون هذه الاحوال من أنفسهم ، وهم تجريبيون فلا يمكنهم إنكار وجودها ، ولكنهم لا يعترفون بوجود شئ هو غير البدن ويسمى ( نفسا ) بل فقط يعترفون بوجود هذه الأحوال والمشاعر ، وهي عندهم موجودة في البدن ، وليس في شئ هو غير البدن . وبذلك صار موضوع علم النفس عندهم هو ( كيف ندرك وكيف نحس وكيف نفكر وبماذا نشعر ، وأثر كل ذلك على افعالنا البدنية الظاهرة ) فهم يبحثون عن تصورات عن هذا العالم الباطني للبشر حتى يمكنهم أن يصلوا لتصور يفسروا به أفعال الإنسان الظاهره . والغالب عليهم هو أن كل عالم نفس عندهم فإنه يتأمل في بواعثه ومشاعره وتجاربه النفسية ، ثم يحكم على البشر بما رآه من نفسه . فمن كان باعثه الأكبر هو الرغبة الجنسية قال ( الرغبة الجنسية هي باعث كل افعالنا ) ، ومن غلب عليه الشعور بالنقص قال ( الشعور بالنقص هو باعث كل افعالنا ) ومنهم من نظر نظرة أعم فقال ( بل طلب اللذة والهرب من الألم هو باعث كل افعالنا ) ..

وكلهم جميعا غايتهم تفسير أفعال الإنسان الظاهرة بوضع تصورات عن عالمه الباطن ، وهذه التصورات ربما وصلوا إليها من خلال تأمل ذواتهم أو بإجراء تجارب نفسية على البشر . ولذلك فهم يقعون في النسبية الشخصية ونسبية العصر ونسبية المجتمع ، فيحكمون على الإنسان مطلقا بما شاهدوه في أنفسهم أو عصرهم أو أمتهم وبلادهم ، ولا يقدروا على معرفة الإنسان مطلقا دون إضافة لشخص او عصر أو أمة ، لأنهم عجزوا عن معرفة النفس الإنسانية مطلقا وتاهو فيما تختلف فيه الأشخاص والأعصار والامم …. فهذا هو علم النفس واختلاف مفهومه بين القدماء والغربيين المحدثين .. ونحن لا ننكر أن علم النفس يتبع العلم النظري .. ولا ننكر أن النظر في كيف نعقل وكيف نفكر وكيف نشعر هو من موضوعات علم النفس الانساني … ولكن ننكر أن النظر في ( كيف نحس ونتخيل ونتوهم ) هو علم انسان أو نفس إنساني ، بل هو علم حيوان لا انسان ، لأن هذه أمور يشارك فيها الإنسان غيره من الحيوانات ( كلها أو بعضها ) فيجب النظر فيها في علم الحيوان لا علم الانسان ، اما علم النفس الانساني فيجب حصره فيما يخص الإنسان وحده ولا يوجد لغيره من الحيوانات .. وكذلك ننكر عليهم نسبيتهم في فهم الإنسان ، ووقوعهم ضحية تعميم ما يختلف فيه البشر على كل البشر ..

أما علم الاجتماع والتربية والتنمية البشرية

فهذه كلها علوم عملية وليست نظرية ، فاطلاقك عليها اسم ( علوم إنسانية ) ووضعك لها مع علم النفس تحت عنوان واحد هو محض خداع ، لأن علم النفس نظري ، بينما هذه علوم عملية .. مثل علم التربية فإن موضوعه هو ( كيف نربي طفلا ) اي يعلمك كيف تقوم بعمل هو تربية الطفل .. ولا شك أنه يعرض عليك اراء حول كيفية القيام بهذا العمل .. مثل أن يقول بعضهم ( يجب الامتناع عن ضرب الطفل كوسيلة تربوية ) بينما يقول غيره ( يجب أن نعتمد على ضرب الطفل كوسيلة تربوية ) وكل واحد فيهم يعرض حجته في إثبات وجهة نظره وذلك باظهار منافع العمل برأيه ومضار العمل بالرأي الآخر . …ومعرفة المضار والمنافع تترتب على معارف تجريبية ونظرية عن الطفل ، اي علم نفس الطفل ، أي أن الجدل حول أفضل أسلوب للتربية يتم حسمه في النهاية في علم النفس ، وهكذا كل علم عملي فهو يقوم على علوم نظرية وتجريبية ، مثل صناعة السيارات فهي تقوم على علم الميكانيكا ومعارف تجريبية .. وكما أنه من الحماقة أن نطلق على ( علم صناعة السيارات ) أنه علم طبيعي .. فكذلك من الحماقة أن نطلق على علم تربية الطفل أنه علم إنساني !! .. بل هو فقط علم عملي يقوم على علم نفس الطفل .. وكذلك فن التأثير في الجماهير هو علم عملي يقوم على علم النفس ، فلا يصح بعد ذلك أن تجمع علم النفس والعلوم العملية تحت عنوان واحد هو ( علوم إنسانية ) لأنك بذلك تخلط بين النظري والعملي …

وأما علم الانثروبولوجيا

فها هنا خدعة اكبر من عدة نواحي .. الاولى أنهم خصصوا هذا العلم بأنه علم الانسان … فالتسمية هنا فيها خداع …لأنه لا علم انسان سوى علم النفس فقط … والثانية هي في موضوع هذا العلم .. فقد قال بعضهم موضوعه هو الانسان البدائي ، فما معنى ( انسان بدائي ) فهل تقصد الإنسان الذي كان يعيش في بدايات التاريخ على الأرض … فإن كنت تقصد ذلك فهذا علم تاريخ لا علم انسان .. وما الفرق بين أن تعرف أحداث تاريخية ظاهرة لاشخاص بعينهم وبين أن تعرف معتقداتهم ونظم الزواج عندهم ومخترعاتهم المادية … فكل هذه معلومات تاريخية … اما انك تقصد بالبدائي خصائص نفسية وعقلية لا انسان بدايات التاريخ !! …فما هي هذه الخصائص ؟؟ ولما وصفتها بالبدائية ؟؟ وهل وصفك لها بالبدائية هو حكم نظري ام تقييمي ؟؟ وهل تقييمك لها مبني على معرفة حقيقية بقيمتي الخير والجمال ام هو حكم نسبي بالإضافة إلى الإنسان الغربي في هذا الزمان !! … بل الغالب عليهم انهم يطبقون نظرية التطور على الإنسان ومعتقداته وأخلاقه ونظمه .. ويجعلون من أنفسهم واحوالهم معيارا للارتقاء والتطور … فيتسنى لهم بذلك هدم كل معتقد وخلق ونظام بحجة أنه ينتمي لمرحلة سابقة من سلم التطور …فعلم الانثروبولوجيا في النهاية ليس علما نظريا ولا عمليا بل هو علم تاريخ ، لأنه ينظر في أشخاص بعينهم لمعرفة معتقداتهم وأخلاقهم وقيمهم وعاداتهم وطقوسهم ، وكل هذه معارف تاريخية ، لا هي نظرية ولا عملية ، لأن موضوعه أشخاص معينين لا كليات . فعلم الحيوان مثلا يدرس الذئب مطلقا لا ذئب بعينه ولذلك فهو علم عقلي حقيقي ، وعلم التاريخ ليس بعلم عقلي حقيقي ، لأن موضوعه أشخاص بعينهم لا كليات مثل الإنسان والحيوان والفرس والنبات ….ولذلك فإن هذا العلم هو من أخطر ادوات التجسس في العصر الحديث ، لأنه يبحث عن معلومات عن اشخاص بعينهم لا الإنسان مطلقا ، مثل معتقداتهم وقيمهم ونظمهم وطقوسهم وعاداتهم ، وكل هذه معلومات شخصية ، سوا ء اكان هؤلاء الأشخاص يعيشون في الماضي أو الحاضر ، وبالتالي يمكن استعمالها في الحروب ، ومن سمح لانثروبولوحي غربي بالمجئ الى وطنه ليتعرف على عاداته وطقوسه ومعتقداته ، فقد سمح له بالتجسس تحت شعار ( البحث العلمي ) !! ونحن لا ننكر أنه علم ، ولكن علم تاريخ لا علم انسان . .. فكيف تضعه بعد ذلك مع علم النفس والعلوم العملية تحت عنوان واحد هو ( علوم إنسانية ) وهل علم التاريخ هو علم إنساني ؟؟

ملحوظة

هذا المقال ليس عن بلوغ اليقين في العلوم بقدر ما هو تحليل لعبارة (علوم انسانية ) واظهار للخداع الذي في هذه العباره

خاتمة

هذه خواطر ربما تكون صادمة وربما تجعلك تصف كاتبها بالجهل أو الجنون ، ولكن عزائي أنه (من بين كل مائة يسخرون منك ، دائما هناك اثنان يذهبان ليفكران ) فإلى هذين اهدي هذا المقال

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك