مشكلات البحث العلمي .. من مقدمة كتاب الليبرالية لـ د. محمد عجلان

مشكلات البحث العلمي .. إن آفة البحثِ النظرةُ الجزئية والاقتطاعُ من السياقات العامة، فهذه النظرة المقتطعة من سياقها لن تؤدي للنتيجة الأساسية للبحث وهي الوصول للحقيقة أو مقاربتها، بل فقط سوف تدعم الرؤية التي يريدها من يبحث بهذه الطريقة. فتجد كثيرين يقرأون التاريخ قراءة انتقائية، إما بهدف التقديس المطلق، أو بهدف التشنيع الشامل. مدعومين في ذلك بعدم قراءة الأحداث أو الأفكار في سياقها التاريخي، وعدم تناول ما يعرضون له في سياقه الثقافي العام. ويؤدي ذلك إلى نتائج ظاهرها العلم وباطنها التعصب لفريق أو التعصب ضد فريق، أو التعصب لمذهب أو ضد مذهب. مجرد أشخاص يريدون أن ينتصروا لقناعات سابقة على البحث ذاته، ويفتشون على ما يدعم هذه القناعات، ثم يعلنون نتائج ليست بنتائج، بقدر ما هي قناعات ذاتية لا قيمة لها في ميزان البحث الموضوعي.

مشكلات البحث العلمي .. من مقدمة كتاب الليبرالية

ألمح هذا أكثر ما ألمحه لدى المؤدلَجين، الذين يدافعون عن أيديولوجيتهم بكل ما أوتوا من نزق، فهذا فريق سلفي ينظر لأشخاص تاريخيين أصابوا حينًا وأخطأوا حينًا آخر، على أنهم مقدسون، لا ينفذ إليهم الخطأ من أي زاوية، وكأنهم فوق الضعف البشري، وكأن منتجهم الفكري ليس منتجًا بشريًا يتأثر بالزمان والمكان، مما يطعن في حقيقة النتائج التي يتوصلون إليها، لأنها أسقطت من البداية الظروف التاريخية التي تنتج في سياقها الأفكار والمذاهب. وعلى الشاطئ الآخر تجد فريقًا آخر يرفض أنصارُه التجارب التاريخية في عمومها، وكأن هذا التراث الذي تشكل في الماضي – زمانيًا – ليس جزءًا من البنية النفسية والعقلية للحاضر، وكأن هذا الفريق يرد على تطرف الآخر بتطرف موازٍ، فيجد نفسه متورطًا فيما يحاربه من ناحية، وفي الوقت عينه يلقي بنفسه في أحضان أي تيار بديل، حتى دون مراجعة نقدية تأخذ في اعتبارها ظروف النشأة لتلك الأفكار، سواء زمانيًا أو مكانيًا.

من حق الجميع أن يؤمنوا بما شاءوا من أفكار، وأن يدافعوا عنها بما راقهم من الوسائل المشروعة، لكن ليس من حق أحد أن يعلن نتائج قامت على مقدمات خاطئة فوصلت إلى نتائج ملتبسة، أن يعلنها وكأنها حقائق كونية غير قابلة للطعن عليها. يجب أن نتحلى جميعًا بروح البحث المحايد – قدر الطاقة البشرية – نتطرق لما نريد بحثه، دون تعبئة مسبقة (مع أو ضد). ولا نسقط من حسابنا البحثي السياق الزمني والمكاني والثقافي لموضوع البحث، سواء كان شخصية تاريخية أو كان فكرة أو مذهبا، لأن إسقاط السياقات يورطنا في نتائج خاطئة، وكأنه من الجائز مثلًا أن نحكم على الإنسان البدائي بمنطق الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع عدم وجود تلك القيم في هذا الظرف التاريخي. مراعاة السياقات السابق الحديث عنها، تجعلنا نفهم الأمور وفقًا لما يجب أن تُفهم على أساسه، فلا نريد أن نظلم التاريخ ولا نحب له التقديس.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك