أُلبرت بروباتشي: الرجل الذي بإمكانه التحكم في العالم – شادي حسن

كيف انتقل اُلبرت لازلو بِرِوباتشي من مراقبة الشبكات إلى التحكم بها؟ .. يتحدث الكاتب جورج مون في هذا المقال, عن علوم الشبكات وعن واحد من أهم العلماء في الوقت الحاضر في هذا المجال.

ويقدم جورج مون في بداية المقال نبذة سريعة عن علم الشبكات ,حيث يقول إنه في عام ١٧٣٦ حَسَم عالم الرياضيات السويسري “ليونهارد اُيلر” الجدل حول المسألة المعروفة في عالم الشبكات ب”جسور كونيغسبرغ السبعة”. “كونيغسبرغ” هي مدينة كانت تقع في روسيا الشرقية ( هي مدينة “كالينينغراد” حاليا في روسيا), ويمر خلالها نهر “بريغيل“, ويقسم المدينة في مروره إلى أربعة أقسام, وكانت المسألة تدور حول: هل من الممكن أن يمر شخص على الجسورالسبعة بدون أن يمرعلى أي قسم من أقسام المدينة مرتين؟ الإجابة لا. ولكي يقوم “اُيلر” بحل المسألة, قام في بداية الأمر بوضع خريطة للمدينة, مفرغة من أي أماكن, أو شوارع,  أو بيوت, أو أي شئ ليس له أي علاقة بالمسألة المطروحة, وأما الأقسام الأربعة للمدينة فقام باستبدالها ب”نقاط التقاء” تَرمُز لها, والجسور كانت عبارة عن “خطوط” توصل النقاط (الأقسام) ببعضها البعض كما في الواقع, أي أنه قام بتحويل الخريطة من رسم واقعي للمدينة إلى نموذج أكثر تجرداً. وبهذا الشكل الجديد, استطاع “اُيلر” أن يشرع في حل المسألة بالتحليل الرياضي, وأن يصل إلى الإجابة المذكورة. وما هو أهم من ذلك كما قال الكاتبأنه قام بإسقاط (أو رسم) نموذج لشبكة من الواقع لأول مرة في التاريخ.

وأشار الكاتب أن العلماء استطاعوا في خلال القرنين المتتاليين أن يقوموا بإنشاء فرع من علم الرياضيات, يُعرف ب”نظرية البيان” أو “نظرية المخططات”, الذي هو أساس لعلم الشبكات في عالم الحاسب إلى الآن. ولكن لم يظهر تعريف دقيق لنظرية الشبكات قبل عام ١٩٥٩, ولم يشرع العلماء في تطبيق هذه النظرية على مسائل الشبكات المعقدة قبل منتصف التسعينيات من القرن الماضي, وذلك بسبب صعوبة الوصول إلى كميات كبيرة من المعلومات قبل هذه الفترة , وبمرور الوقت, ومع انتشار الشبكة العنكبوتية , استطاع العلماء تطبيق “نظرية المخططات” على نماذج كثيرة, السهل منها والصعب.

ويقول الكاتب أن أحد هؤلاء العلماء هو “اُلبرت لازلو بِرِوباتشي” , فيزيائي روماني كان يعمل في جامعة “نوتردام”, الذي استطاع من خلال نظرياته وأبحاثه, أن يطور الكثير في مجال الشبكات – في مجالات مثل الهندسة, والتسويق, والطب -, ومن المتوقع أن تساعد أبحاثه في المضي قدما نحو التحكم في الشبكات وليس فقط الفهم, والتنبؤ بطبيعة عملها, كما ذكر في المقال .

ويقول البحث أن “بِرِوباتشي” مهتما بما يعرف بنموذج “أردوز- رينيه” كان في بداية عمله على الشبكات. وحسب التقرير يتميز هذا النموذج, أنه يتعامل مع الشبكات على أنها أنظمة عشوائية, وكلما ازداد حجم الشبكة, كلما تساوى – بشكل تقريبي – عدد خطوط الاتصال لكل نقطة. وفي عام ١٩٩٨, سنحت الفرصة ل”بِرِوباتشي” وتلاميذه أن يقوموا بدراسة هذا النموذج على هيكل يحتوي مجموعة كبيرة من المعلومات, ألا وهو موقع جامعة “نوتردام”, حيث كان يحتوي على حوالي ٣٢٥٠٠٠ صفحة. وبعد اختبار نموذج “أردوز- رينيه”, وجدوا أن معظم – وليس كل – الصفحات تحتوي تقريبا على نفس العدد من خطوط الاتصال, أما الصفحات المختلفة – عدة عشرات من الصفحات – كانت تحتوي كل واحدة على زيادة في خطوط الاتصال تقدر ١٠٠٠ خط اتصال؛ النتيجة التي كانت لها مدلول كبيرلدى “بِرِوباتشي” ,فقد علم أنها تعني أن هناك نوعا من النظام الذي يدير طريقة عمل الشبكات.

وكما يقول الكاتب في هذا التناقض بين ما توصل إليه وبين نموذج “أردوز- رينيه”, قام “بِرِوباتشي” بمعاينة أنواع أخرى من الشبكات, وفي كل مرة كان يجد أن تلك النقاط ذات عدد خطوط اتصال أكثر من غيرها – النقاط المحورية – هي العنصر الموصّف لأي شبكة.

وحسب الالتقرير,م “بِرِوباتشي” مع أحد طلابه يدعى “ريكا البرت”, بتحديث نموذج “أردوز- رينيه”, لكي يعكس النتائج التي توصلوا لها على الشبكات الموجودة في الطبيعة. وفي خلال عملهم هذا, قاموا بتطوير برامج للحاسب, ساعدت علماء الشبكات على معاينة وتحليل الشبكات ذات التعقيد العالي بشكل جديد. تطور الأمر, وأصبح التعديل الذي قام به “بِرِوباتشي” مع “ريكا ” بحثا مستقلا بذاته, ومن أهم الأبحاث التي استطاعت جذب الانتباه في علم الشبكات, وقام “بِرِوباتشي” بكتابة كتاب قائم على هذا البحث, وحصل “بِرِوباتشي” على المعمل الخاص به في جامعة “نورث ايسترن” في الولايات المتحدة الأمريكية. وبدأ البحث يجذب انتباه علماء من مجالات أخرى, على سبيل المثال, قام باحثون في مجال مرض السرطان باستخدام نظرية “بِرِوباتشي” لفهم الكيفية التي تعمل بها شبكة من بروتين معين في مكافحة الخلايا السرطانية. ولكونه باحث نظري, لم تستطع التطبيقات على أعماله أن تجذب انتباهه لفترة طويلة , بل انتقل إلى نقطة البحث التي تلي فهم عمل الشبكات, وهي كيفية التنبؤ بأداء الشبكات؟

ويقول التقرير, في عام ٢٠٠٦, قام شخص بالاتصال ب”بِرِوباتشي”, وكان يمثل منظمة مكونة من مجموعة من شركات اتصالات أوروبية, وقال أنهم بحاجة لمجهوده لفهم لماذا يقوم العملاء بتغيير اشتراكاتهم من شركة لخدمات الهاتف المحمول لأخرى؟ وعرض على “بِرِوباتشي” أن يقوم بعمل هذا البحث على بيانات ستة ملايين عميل لدى هذه الشركات. وكانت هذه فرصة “بِرِوباتشي” ليقوم باختباراته على مبدء “التنبؤ بعمل الشبكات”, حيث يستطيع العمل على أبحاثه الأكاديمية أيضاً بجانب العرض المقدم. وقام “بِرِوباتشي” بقبول العرض, وبعد البحث على بيانات العملاء من سجلات المكالمات, وقيم الاشتراكات, وغيره, استطاع هو وطاقمه أن يجدوا نمط للعملاء اللذين يُتوقع أن يقوموا باستبدال شركات المحمول الخاصة بهم.

ويخبرنا الكاتب أنه وبمساعدة “تشاومينج سونج” – فيزيائي يعمل بجامعة “نورث إيسترن” أيضا – استطاع “بِرِوباتشي” أيضا أن يتنبأ بمكان أي عميل في أي وقت محدد, حيث كان لديه إمكانية الاطلاع على أبراج التقوية, التي كان يُوصل عليها كل عميل عندما يقوم  باتصالٍ ما. فقاموا بعمل معاينة او إسقاط لشبكة من العملاء مكونة من ٥٠٠٠٠ عميل واعتبروا أن أبراج التقوية هي نقاط الاتصال داخل هذه الشبكة, وأن هؤلاء العملاء هم عبارة عن جزيئات متحركة, وعندما يقوم العميل بالتحرك من نقطة اتصال تجاه أخرى – من برج تقوية إلى آخر-, يعتبروا هذا كخط اتصال بين نقطة اتصال وأخرى داخل الشبكة المُسقطة.

ويتحدث التقرير ,أنه بعد استحداث ما يسمى نموذج يصف العشوائية التي من الممكن أن تحدث في تحرك أي عميل, وربطها مع بيانات العملاء, استطاعوا أن يقوموا بالتنبؤ بمكان أي عميل في حيز ميل المربع واحد بدقة تصل ل ٩٣٪., ولم تقل في أسوأ الأحوال عن ٨٠٪. وأما بالنسبة للتطبيقات على النتائج التي وصل لها “بِرِوباتشي” و”سونج”, فمازال العلماء في بدايات تطبيقها على مختلفي (GPS)لحياة, فعلى سبيل المثال, يريد علماء الأوبئة أن يجدوا الطريق للتنبؤ بكيفية انتشار الأمراض من مدينة لأخرى عن طريق رحلات الطيران , من خلال استخدام بيانات شركات الطيران عن المسافرين. وقام “بِرِوباتشي” وطلابه أيضا في عام ٢٠٠٩ ببحث على فيروسات الهاتف المحمول, ولماذا ليست هذه الفيروسات منتشرة كمثيلتها على الحاسب,واستطاعوا التنبؤ أنها قد تصبح مشكلة خطيرة ما إذا أصبح عدد كبير كافي من المشتركين يتبعون شركة خدمات محمول واحدة.

ولكن للعملة وجه آخر, فعلم التنبؤ يُنظر إليه على أنه قد يكون أحد الأبواب لبرامج المراقبة الحكومية, حيث أنه يجعل في  (GPS) مقدور السلطات مراقبة المواطنين, عن طريق تطويع البيانات المسجلة لهم في نظام تحديد المواقع العالمي واستخدامها للتنبؤ بتحركاتهم.

والسؤال الذي يبادر إلى الذهن, ألا يسطيع من يقوم بمراقبة نظامٍ ما والتنبؤ بكيفية عمله أن يجد طريقة للتحكم به؟

يقول الكاتب أن تلك الفكرة كانت تشغل خاطر “بِرِوباتشي” كثيراعندما كان في طريقة إلي جامعة “مينيسوتا” لعرض أعماله عام ٢٠٠٩.قبل محاضرته, تعرف على شخص يعمل في مجال الهندسة, واسترسل “بِرِوباتشي” معه في الحديث عن أعماله في عالم الشبكات, ولفت انتابه أن هذا الشخص لم يكن يستوعب أياً من أعماله, فاضطر إلي سؤاله عن مجال عمله, فأجاب المهندس أنه باحث في علوم التحكم.لم يكن “بِرِوباتشي” يعلم أي شيء عن ذلك المجال من العلوم, ولذلك قام زميله الجديد بعمل شرح مبسط لعلم التحكم, يتخلله سرد للمعادلات الرياضية المستخدمة في هذا المجال. وعلى الفور تنبّه “بِرِوباتشي” للتشابة الكبير بين هذه المعادلات وبين تلك المستخدمة في مجال الشبكات, وعليه قرر ادماج معادلات التحكم في أعماله.

وتبعا للتقرير, يُستخدم علم التحكم في مساعدة العلماء على فهم كيفية استجابة نظام ما لأنواع معينة من الإشارات, أو المُعطيات, التي يتم إدخالها على النظام من البيئة الخارجية. وبهذا العلم يستطيع العلماء اختراع الروبوتات التي تخدم أهداف معينة سواء في الصناعة, أو الطب.ويتطلب فكر التحكم, تغيُر في الرؤية إلى الشبكات, بحيث تصبح “نظاما يحتوي على عدة نقاط اتصال, ولكنها ذات درجات مختلفة في الأهمية”. ومن ضمن هذه النقاط, مجموعة صغيرة فقط هي التي تستطيع التحكم في الشبكة أو النظام, ويطلق عليها نقاط التحكم. ونقاط التحكم تلك, تقوم بأخذ المعطيات الخارجية السالفة الذكر, وتقوم بتمريرها لباقي النقاط داخل المنظومة.

لنأخذ مثالا بسيطا : السيارة نظام مكون من آلاف القطع المرتبطة ببعضها, ولكن لقيادة السيارة بنجاح, يحتاج الشخص ربما لخمسة أجزاء فقط, هي: عجلة القيادة,وثلاث دواسات للقدم, وعصى تغيير السرعات. وهذا ما أراده “بِرِوباتشي” للشبكات, أن يستطيع إيجاد تلك الأجزاء أو النقاط التي تتحكم في الشبكة ككل, ولم يكن يريد ذلك للشبكات المرتبطة بعلوم الهندسة فقط, إنما لكل أنظمة الشبكات في الحياة, في الطب, علوم الاجتماعيات, الخ….

وحسب المقال ولكي يستطيع إيجاد طريقة يتعرف بها على نقاط التحكم, طلب “بِرِوباتشي” مساعدة كل من  “يانج يو ليو”, فيزيائي يعمل معه في معمله في جامعة “نورث ايسترن”, و”جن جاك سولتاين”, باحث في علوم التحكم في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا.حيث قام “يانج” باستخدام نموذج اختبار- خوارزمية – تم تأليفه من قبل “أردوز” و “رينيه” – السابق ذكرهما -, ويقوم هذا النموذج بالعمل كإشارة خارجية, تدخل الشبكة من نقطة بداية معينة, وتتجه بأسلوب عشوائي إلى نقطة أخرى, وخلال ذلك, تقوم بمسح كل الخطوط القادمة لنقطة الوصول تلك, ماعدا ذلك الذي أتت من خلاله والتي خرجت منه, وفي كل مرة تُختبر الإشارة, تأخذ مساراً مختلفاً, أي تتحرك باتجاه نقاط اتصال مختلفة.وحسب المقال كان الهدف أن يقوموا باختبار هذا النموذج مرات كثيرة على نفس الشبكة, إلى أن يصلوا إلى مجموعة من نقاط البداية, التي من خلالها يكون في الاستطاعة الوصول لكل النقاط في الشبكة. وعليه, إن التحكم في نقاط البداية هذه, يعني التحكم في كل النقاط الثانوية الأخرى, أي التحكم في الشبكة.

وأشار الكاتب أنه تم اختبار هذا النموذج على ٣٧ شبكة مختلفة, وكان من الواضح كنتيجة, أنه كلما ازداد الترابط بين نقاط الشبكة تعقيدا – كثافة خطوط الاتصال كانت أعلى – في الشبكة, قل عدد نقاط التحكم. أي أن زيادة عدد النقاط داخل الشبكة ليس بالضرورة يعني زيادة عدد نقاط التحكم, إنما العامل الأساسي هو كثافة خطوط الاتصال بينهم. وبالنسبة لبعض الشبكات,التي – ما زال – لا يوجد لدى العلماء الكثير من المعلومات عنها لعمل إسقاط لها بشكل دقيق, تلك الشبكات من الممكن أن تحتوي على نقاط تحكم بالآلاف, ويقول “بِرِوباتشي” عن هذا النوع من الشبكات, أنه كلما ازداد حجم المعلومات عن هذه الشبكات لإدخالها على نموذج الاختبار, تكون النتيجة بالتالي أكثر تحديدا, وتقل عدد نقاط التحكم.

ومن أهم ما جاء في التقرير, أنه يجب أن نفصل بين عملية إيجاد نقاط التحكم في الشبكات, وبين عملية التحكم في حد ذاتها, فمرحلة تطبيق التحكم في مجالات العلوم المختلفة لم تبدأ بعد, وأغلب الظن أن أول مجال يراها, سوف يكون مجال الطب, وبالتحديد في ما يعرف ب”نظم نمو الخلايا الحية”, فبمعرفة نقاط التحكم في هذا النظام, يُرجح أن يستطيع العلماء القيام بعملية محاربة شيخوخة الخلية, وعكس تلك العمليات التي تؤدي بالخلية إلى الشيخوخة, مما يعني استحداث نوع جديد من الخلايا الجزعية.وبالنسبة لبعض الأمراض أيضا, يعتمد علاج هذه الأمراض على التحكم في مسببات هذه الأمراض على مستوى الخلايا أو مستوى عصبي, فإذا وُجد التحكم, وُجد العلاج .

ولكن, يمكن لهذا العلم أن يستخدم بشكل مضر أيضا, حيث يمكن للشركات أن تطور أساليب للتحكم في العملاء, أو يمكن للحكومات أن تقوم بتطبيق برامج لإخضاع مواطنيها والتحكم فيهم.

وأخيرا, يقول “بِرِوباتشي” في هذا الشأن:

 “إن مبدأ التحكم هو نتيجة طبيعية – أي رغبة طبيعية -, بعد فهم كيفية عمل الأنظمة. ولكن, التحكم هو مسألة إرادة, والإرادة يمكن تحجيمها بصياغة القوانين. ويجب علينا كمجتمع أن نتكاتف سويا, لنرى إلى أي مدى يمكننا أن ندفع بهذا العلم للأمام.”

المصدر: ساسة بوست

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك