المشاعر بين الابتذال والإبداع

المشاعر بين الابتذال والإبداع

انتشرت منذ فترة طويلة على مواقع التواصل الاجتماعي ( سوشيال ميديا ) ظاهرة يمكننا أن نسميها ظاهرة المناحات وهي عبارة عن القيام برثاء شخص متوفي او غائب بشكل يومي من قبل اصدقاءه أو أقرباءه… فتجد شخصاً ما يأخذ في الحديث عن قريبه أو صديقه المتوفي مثلاً أمام المتابعين والأصدقاء على موقع التواصل الاجتماعي، ويتم التحدث إلى الشخص المتوفي في حوار افتراضي تخيلي وكأنه يقرأ ما يوجه له من كلمات أو يحضر هذا الحديث. أو يقوم الشخص بالحديث عن المتوفي بصيغة الغائب وسرد مواقفهما معاً ليواسي نفسه بأن الفقيد يتنعم الآن في الجنة. بينما يتم هذا الامر الذي يشبه النواح والعويل أمام عامة الناس، أي أمام أناس منهم من يعرفونهما ومنهم من لم يكن على علاقة بأحد منهما. وفي الحقيقة فإن هذا الأمر هو عبارة عن عملية ابتذال للمشاعر بشكل مهين وليست كما يسميها البعض “فضفضة” ، فالحديث عن شخص متوفي او غائب امام العامة، من يهمهم الامر ومن لا يهمهم، ليس سوى اهدار لقيمة المشاعر السامية وابتذال لها لأن رثاء شخص وتذكر مواقف سابقة له يكون أمام مجموعة من الاصدقاء والمعارف المعنيين بالأمر وليس امام الغرباء الذين لا يعنيهم الأمر على الاطلاق بل قد يتعاملون مع الأمر باستخفاف وسخرية، وبهذا الشكل فإن قيمة المشاعر والعزاء تُهدر أمام اشخاص لا يقدرونها لأن الامر بالفعل لا يدخل في دائرة اهتماماتهم..

وأما اذا تحدثت عمن يقوم بمثل هذا الفعل فتجد من يتدخل بغرض المزايدة ويقول أنك لا تقدر حالة الحزن التي يعيشها، أو أن من حقه أن يفعل ما يشاء على صفحته الخاصة، وكلام من هذا القبيل. حتى لو اعتبرنا صحة هذا الرد فهل ذلك ينفي اهدار قيمة المشاعر والرثاء؟ إنه لا يغير من الأمر شيئاً فيتم ابتذال مشاعر الحزن أمام العامة من قبل أشخاص لا يدركون سمو هذه المشاعر فيأخذوا في النواح والمزايدة أمام الغرباء الذين لا يعرفونهم شخصياً.

بينما على الجانب الاخر عند نوع  اخر من البشر يتم ترجمة المشاعر من مجرد مشاعر حزن ذاتية الى شكل من اشكال الابداع مثل الموسيقى او الشعر… فبعدما يكونوا قد مروا بتجارب الحزن والفقد وما قاسوه من مرارة وألم ووحدة يقومون بتحويل هذه المعاناة الى عمل ابداعي، انه الفرق بين ابتذال المشاعر واهدار القيمة السامية للحزن امام الناس وبين صقل هذه المشاعر وصبغها بصبغة الفن والابداع.

في الحقيقة فإن معظم الاعمال الفنية والإبداعية كانت وليدة المعاناة والحزن والألم. وقد خرجت تلك المعاناة وذلك الحزن الى الناس بالصورة التي تليق بهما أي بالفن والإبداع، وليس بالابتذال والمناحات والعويل والخرف، لذلك بقيت الأعمال الإبداعية واندثرت المنشورات الفيسبوكية مع أن كلاهما كانا من مصدر واحد وهو الحزن، إلا أن ابتذال الشيء لا يبقي صداه فترة طويلة لدى أذهان الناس ويتلاشى سريعاً جداً. بجانب المشاعر هناك العديد من الامور التي تم ابتذالها بسبب السوشيال ميديا سواء كانت في الثقافة أو الفن أو الاجتماعيات. لذلك فإذا سألنا هل كانت السوشيال ميديا سبباً في ابتذال قدسية  عواطفنا ومشاعرنا وأفكارنا؟ فأعتقد أن الاجابة ستكون بأن نعم.

لمتابعة الكاتب على فيسبوك : Eslam M Essmat

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك