الوعي نتاج اجتماعي – بقلم: رمضان عيسى

” الحيوانات تولد حيوانات،أما الإنسان فلا تلده إنساناً، بل تربيه ليصبح كذلك” جوستاين غاردر.
منذ سن الطفولة يتكون وعي الإنسان على أساس الكلمات , اللغة . ذلك لأنه بواسطتها يجري التعبير عن أفكارنا . وفي سياق هذه العملية ينشا تدريجيا شيء ما لا يتميز به غير الإنسان . إن الفكرة وثيقة الصلة والارتباط بالنطق البشري , وفصل الوعي البشري , التفكير , عن النطق البشري هو شيء مستحيل . إن وحدة عضوية لا تنفصم عراها تقوم بين اللغة والتفكير . وقد أكد إنجلز أن ظهور النطق المفصل الواضح , قد ساعد على إضطراد التطور للدماغ البشري .
لما كان العمل هو الذي شكل الإنسان وعلاقاته الاجتماعية , فهو قد هيأ المناخ لخلق مخ الإنسان وإثراء إدراكه . وفي هذا السياق أيضا نشأ الكلام تدريجيا عبر عمليات التحسن والتطور المستمر للحنجرة وأعضاء الفم في تزايد قدراتها على النطق بأصوات متتابعة ومختلفة الدلالات . وهكذا نشأ الكلام الواضح , أي اللغة كوسيلة لتبادل الأفكار, ووسيلة للتفاهم بين الأفراد , وغلاف مادي للتفكير !!!.
فما هي إذاً الأسباب التي جرى هذا بتأثيرها؟ إن المثل التالي يساعدنا على إيجاد الجواب الصحيح :
يعرف التاريخ عدة حالات من ” تربية ” الأطفال في قطيع من الذئاب , أو القرود . لقد جاء وصف إحدى هذه الحالات عام 1956 في الهند , كانت ذئبه قد خطفت طفلة لم تبلغ من العمر ثلاث سنوات , وفيما بعد عُثر عليها بعد عدة أعوام , فوجدوا اللوحة التالية : كانت الطفلة تسير على أربع وتقلد صياح الحيوانات , ولكنها لا تستطيع الكلام مطلقا . والطفلة كانت تقلد الحيوانات في كل شيء .
والشيء المثير للدهشة أن جهودهم قد ذهبت عبثا في تعليم الطفلة الكلام , وهكذا لم تسترجع الطفلة سيماءها البشرية , أي وعيها . كذلك لم تستطع الطفلة التعود على الحياة الجديدة والظروف الجديدة فماتت .
لم تكن قصة هذه الطفلة هي القصة الوحيدة التي حدثت وعاش فيها انسان مع الحيوانات أو الطيور ، بل يعرف التاريخ قصصا كثيرة مشابهة ، منها :
قصة طفل أوغندي ربته القرود
بعد أن شاهد والده يقتل والدته بعمر 4 سنوات، فرّ جون سيبونيا إلى الغابات وهو يشعر بالصدمة، حيث تكفلت مجموعة من القرود بتربيته، إلى حين تم اكتشافه في عام 1991، وقاوم جون القرويين الذين حاولوا الإمساك به، وساعدته القرود في ذلك، وراحت تلقي العصي والحجارة عليهم. وبعد العثور على جون، تعلم الكلام من جديد، كما أنه بدأ بتعلم الغناء، وانضم لجوقة أطفال “بيرل أوف أفريكا” الغنائية.
وطفلة تربيها الكلاب والقطط
في عام 2009، عثر على الطفلة ناتاشا، التي كانت تبلغ من العمر 5 سنوات في حينها، بمدينة تشيتا في سيبيريا، وهي تمشي على يديها ورجليها، وتشرب الماء بواسطة لسانها، وتتواصل عن طريق النباح، بعد أن قامت الكلاب بتربيتها.

واكتشفت الشرطة أن ناتاشا كانت محبوسة منذ ولادتها مع الكلاب والقطط، في غرفة غير مزودة بالتدفئة ودون مياه أو حمام، وعندما عثر عليها لم تكن قادرة على الحديث بلغتها الأم وهي الروسية، وبدا واضحاً أنها اكتسبت جميع صفات الحيوانات.
وألقت الشرطة القبض على والد الطفلة فيكتور لوشكين (27 عاماً) ووالدتها يانا ميخايليوفا (25 عاماً) بتهمة الإهمال، بعد أن تركاها عامين كاملين دون رعاية.
وطفل يعيش مع الطيور
في عام 2008، عُثر على طفل روسي يبلغ من العمر 7 سنوات، أمضى حياته يعيش في شقة صغيرة محاطاً بالطيور، ولم تتحدث إليه والدته مطلقاً، بل كانت تعامله على أنه حيوان أليف، ولدى العثور عليه لم يكن قادراً على الحديث أو التواصل مع البشر، بل كان يغرِّد فقط ويرفرف بذراعيه كالطيور.
وطفل أرجنتيني تربى بين القطط
عثرت الشرطة الأرجنتينية عام 2008 على طفل مهجور، يبلغ من العمر عاماً واحداً، محاطاً بـ 8 قطط بريّة في مقاطعة ميسيونس، وتبين أن القطط حاولت الحفاظ على حياة الطفل من خلال تغطيته في الليالي الباردة بأجسادها، وكانت تنظفه من الطين بلعقه باستمرار، واعتادت إطعامه بقايا الطعام التي تحصل عليها من هنا وهناك.
وفي وقت لاحق، عثرت الشرطة على والد الطفل وهو رجل مشرد بلا مأوى، قال إنه فقد الطفل قبل عدة أيام، عندما كان يحاول جمع القمامة لبيعها، وأشار إلى أن القطط اعتادت على الرعاية بطفله.
وطفل يعيش في وكر للذئاب
في عام 2007، اكتشف عمال مستشفى صبياً يبلغ من العمر 10 أعوام في وكر مغطى بالقش وأوراق الشجر مع مجموعة من الذئاب في منطقة كالوغا بروسيا الوسطى، وأطلقوا عليه اسم ليوكا، ومن المدهش أنه اكتسب معظم صفات الذئاب، بما في ذلك المخالب والأسنان الحادة وحتى طريقة المشي، ولم يتمكن أحد من العثور على والديه أو أي أحد من أقربائه.
وطفل تربى مع الماعز
في عام 2012، تم العثور على طفل يبلغ من العمر عامين، داخل غرفة حبسته فيها والدته مارينا (40 عاماً) مع قطيع من الماعز، بمنطقة روستوف في روسيا، ولم يكن الطفل قد تعلم الكلام أو استخدام الحمام أو حتى تناول الطعام بالطريقة الصحيحة.

وقال نائب رئيس وحدة العمل الاجتماعي في بلدة شاكتي، إن والدة الطفل كانت غائبة منذ مدة طويلة، وكان يلعب وينام مع الماعز في نفس الغرفة، وكان يعاني من سوء التغذية لدى العثور عليه، ويزن أقل من ثلث وزن الأطفال في مثل سنه.
وطفل نشأ مع الكلاب في سيبيريا
عُثر في عام 2004 على طفل يبلغ من العمر 7 سنوات، ترك منذ كان في شهره الثالث من قبل والديه، وتولت الكلاب تربيته والعناية به، وعندما عثرت مجموعة من العاملين الاجتماعيين على أندريه توليستيك، كان غير قادر على الكلام، وكان واضحاً أنه اكتسب العديد من طباع وعادات الكلاب، بما في ذلك المشي على أربع وعض الناس واستنشاق الطعام قبل تناوله.
ما هي الاستنتاجات التي ممكن معرفتها من هذه القصص التي عاش فيها أطفال مع الحيوانات أو الطيور ؟
إن النتيجة التي لا مراء فيها هي أن الانسان يولد صفحة بيضاء معرفيا ، فلم يكن يعرف أي لغة ولا مسميات لأي شيء حوله ، ولم يكن في دماغه أي معلومة دينية أو أخلاقية . كما أن حركته ورغباته ومسلكياته لا تتعدى دوافعه الفطرية العادية التي هي متلازمة مع كل العضويات الحية ، والتي تحافظ بها على حياتها وتناسلها النوعي .
من هنا نكتشف خطأ جملة من الأفكار التي تعتبر أن الانسان فطري الأخلاق ، أو فطري الدين ، أو فطري اللغة ، أي نطق وتكلم ساعة مولده .
وهنا نصطدم مع السؤال : من أين يكتسب الانسان كل هذا ؟
من المعروف أن اللغة هي التي تعبر عن الرغبات والعواطف ، وهي أداة التواصل بين الناس الذين لديهم توافق دلالي ، أي هناك توافق بين أفراد المجتمع على ما تدل عليه كل كلمة يتعاملون بها ، وتم هذا عن طريق التسلسل التعليمي من جيل الى جيل .
كما يتم عن طريق اللغة تعليم الأجيال الجديدة العادات الاجتماعية والأخلاق والطقوس الدينية .
وباختلاف الظروف الحياتية لكل مجتمع واختلاف الطرق للحصول على الغذاء ، لهذا تنوعت المسميات والأخلاق والقيم والتقاليد والمقدسات والطقوس دينية من مجتمع الى آخر . فالمجتمع الصحراوي يختلف في قيَمه وأخلاقياته ومقدساته عن المجتمع المديني .
وعند دراسة التاريخ والثقافات المختلفة نجد أن الإنسان يصنع بشكل كبير من خلال تاريخه وثقافته ؛ فنحن نظل حبيسي ثقافتنا وتاريخنا المحدود، إن لم نتعلم الكثير والكثير حتى نغير القليل.
إن الأنثروبولوجي الأمريكي الذي كان يدرس قبل موته في جامعة ” مك جيل ” في مونتريال قد اعتبر أن الإنسان ربما قد صمم بيولوجياً كي يتشكل ثقافياً ، فالإنسان يولد كشريط كاسيت فارغ يمكن تعبئته بأية ثقافة أو لغة .
من هنا ينكشف خطأ منظري بعض الأديان , وخاصة المسلمين الذين يقولون بفطرية الإنسان على الدين الإسلامي , وأن الإنسان هو مسلم بطبعه , فلو وضعنا أي طفل عربي ومن أجداد عرب لم يغادروا المنطقة العربية مع عائلة بريطانية ، وعزلناه عن الاتصال بأي بيئة عربية فإنه سيتحدث اللغة الإنكليزية وبلكنة بريطانية , ويصبح مسيحيا .
وبالنسبة لحالات معيشة انسان مع حيوانات أو طيور لا بد من التساؤل : لقد وُلد هذا الانسان بدماغ بشري طبيعي , ومع نمو الجسم كان الدماغ ينمو أيضا ، على ما يظهر . فما هو سبب تأخر التفكير عند هؤلاء الأطفال ؟ يبدو أنه لا يكفي أن يملك الإنسان دماغا مكتملا حتى يمتلك الوعي البشري , بل يجب عليه أيضا أن يعيش في مجتمع , في جماعة . فلا وجود للتفكير البشري خارج الجماعة , فالتفكير ينشأ كنتيجة لحياة الناس في مجتمع ، ولا يمكن للتفكير أن يظهر إلا حينما يعكس الإنسان الطبيعة من جهة , وعدما يدخل من جهة أخرى في علاقات معينة مع أُناس آخرين في النشاط العملي الإنتاجي .
إن العمل هو الذي خلق الإنسان , وشكله جسديا ، واندماج الإنسان في مجتمع إنساني هو الذي شكل وعيه الإنساني ودلالاته التعبيرية . ففي سياق العمل بالذات , في سياق العمل الإنتاجي تطور الدماغ البشري والوعي البشري . لهذا السبب نوه ماركس بأن الوعي هو منذ البداية نتاج اجتماعي , وسيبقى كذلك طالما يوجد الناس بوجه عام . إن الوعي هو نتاج حياة الناس في المجتمع , انه ظاهرة اجتماعية .
إذن الإنسان يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً ، وربما الآن نستطيع أن نقول يخرج بشراً ـ أي يمتلك الشكل البيولوجي البشري ـ ويبدأ بتعلم الإنسانية ، أو يمكن القول أن الإنسان الخام هو البشر ، والإنسان المكون اجتماعيا هو الإنسان ، فأنت تخرج من بطن أمك لا تعلم شيئاً ، وتصبح عربياً من خلال معيشتك في المجتمعات العربية ، وتكون مسلماً إذا عشت منذ الصغر في مجتمع إسلامي وتعلمت الطقوس وطرق العبادة في الدين الإسلامي , أو تكون بوذيا إذا عشت منذ الطفولة في مجتمع بوذي .
وهذا يعني أنه لا يمكن للوعي أن يكون خارج المجتمع . كما لا يمكن أن يكون خارجه أيضا النطق , اللغة . إن النطق المفصل الواضح , اللغة , تنشأ بوصفها ضرورة , وسيلة لتبادل الأفكار , وسيلة للتعامل بين الناس . في الكلمات فقط تصبح الفكرة واقعية . فطالما هي في رأس الإنسان تكون ميتة , مستحيلة المنال بالنسبة للناس الآخرين .
ولذا أشار ماركس إلى أن اللغة هي الواقع المباشر للفكر .وهذا يعني أنه لا وجود للتفكير بغير الغلاف اللغوي , وحتى عندما لا نعبر عن أفكارنا بصوت مسموع ,أي نفكر فقط في أنفسنا ـ كما يقال ـ نغلف أيضا هذه الأفكار بغلاف من الكلمات , بغلاف لغوي .
وبفضل اللغة لا تتشكل ولا تُصاغ الأفكار فحسب وإنما تنتقل إلى الأفراد الآخرين. وعن طريق الكتابة تنتقل من جيل إلى جيل آخر. وبدون الكلمات لا يمكن التعبير عن الفكر المجرد !!!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك