حول أزمة البحث الأكاديمي – بقلم: د. محمد عبده أبوالعلا

يعدّ التسرُّع في إصدار الأحكام واجترار أفكار السابقين دون محاولة حقيقية للوقوف على أبعادها وتجلياتها من ناحية، ورصد السياقات المختلفة التي أفرزتها من ناحية أخرى، هو – للأسف الشديد- السمة المنتشرة الآن بين أغلب الباحثين في الحقل الأكاديمي. ويعود ذلك، من وجهة نظرنا، إلى عدة عوامل، من أهمها:

1- القراءة غير النقدية، حيث لا يتمتَّع الباحث بملكة التفكير النقدي، التي هي في الأصل موهبة فطرية أكثر منها مهارة مكتسَبة.

2- القراءة الانتقائية المجتزأة، التي يعمد إليها الباحث إما بسبب عدم صبره على عناء ومشقة البحث والاطلاع الكافيين وإما بسبب تغلُّب انتماؤه الأيديولوجي على ضميره العلمي.

3- الاستبداد السياسي، الذي وصل إلى درجة قمع حرية البحث العلمي والنقد الموضوعي.

4- مجاملة الغالبية العظمى من الباحثين لبعضهم البعض نظرا لوجود علاقات صداقة أو مصالح تربط بينهم. وتظهر هذه المجاملات بشكل أوضح عندما يكون الباحث بصدد إحدى دراسات أو آراء أحد أساتذته أو مَنْ يسبقونه في سُلَّم الدرجات العلمية، لا سيما إذا كان الباحث عضو هيئة تدريس بالجامعة، حيث يكون الباحث هنا مُجبرا لأسباب تتعلَّق بمستقبله الأكاديمي. فلجان التحكيم العلمي تتشكَّل من بين أعضاء هيئة التدريس الذين يشغلون درجة أستاذ (على أن يكون قد مضى على شغله لهذه الدرجة خمس سنوات على الأقل)؛ وفي الغالب الأعم يكون رضا أعضاء اللجنة عن الباحث المتقدِّم للترقية (إلى أستاذ مساعد أو أستاذ)، وليس كفاءته البحثية، هو العامل الحاسم في ترقية الباحث. وبخلاف عضوية لجان التحكيم العلمي، فقد يكون أحد هؤلاء الأساتذة هو المُشْرِف على أطروحة الباحث للحصول على درجة الماجستير أو الدكتوراه، أو عضو في لجنة الحكم على هذه الأطروحة.

5- حالة التردِّي والتدهور شبه العام التي يشهدها المجتمع الأكاديمي، تلك الحالة التي يشهد عليها انتشار التجاوزات التي تمسّ الأمانة العلمية في أروقة العديد من الجامعات، فضلا عن المستوى العلمي المتدني جدا لمعظم الخريجين.

وفي السطور التالية سوف أضرب بعض الأمثلة السريعة على تسرُّع بعض الباحثين- منهم مَنْ يحمل درجة الأستاذية للأسف- في إصدار الأحكام واجترار أفكار السابقين دون الوقوف عندها أو عند السياق التاريخي الذي أفرزها وقفة نقدية تأملية. فهذه الأمثلة ليست من ابتكاري أو وحي خيالي، لكنها أمثلة وجدتها بالفعل عند بعض الباحثين، وكانت هي السبب الرئيس وراء تفكيري في كتابة هذا المقال. وتتمثَّل هذه الأمثلة فيما يلي:

1- اعتاد معظم الباحثين مهاجمة المبدأ المكيافيللي الشهير “الغاية تبرِّر الوسيلة”، في حين أنهم لو تأملوا حياتهم سيجدون أنها تفيض بالمواقف التي تمثِّل تطبيقا عمليا لهذا المبدأ. أعتقد أنهم كانوا سيتراجعون عن مهاجمة هذا المبدأ لو أنهم سألوا أنفسهم هذه الأسئلة: كم مرة حَرَمنا أولادنا، أو أحدهم، من المصروف، أو الفُسحة الأسبوعية، أو الذهاب للمصيف بسبب إهماله الشديد للمذاكرة؟! ماذا عن شخص أُضْطرّ – وهو يسير في الشارع- إلى دفع شخص لا يعرفه، بمنتهى القوة، من أمام سيارة مسرعة كانت على وشك أن تدهسه؟! كم مرة اضْطرّ الأطباء للتضحية بيد مريض أو قدمه أو غير ذلك من أجل إنقاذ حياته؟! مَنْ منا لم يتناول عقارا مخدِّرا من قبل؟! الأمثلة كثيرة ولا نهاية لها.

بالإضافة إلى ما سبق، لو أننا تأملنا هذين المبدأين:
– “للوسائل أحكام المقاصد” (العز بن عبدالسلام(
– “وسيلة المقصود تابعة للمقصود” (ابن قيم الجوزية)
سنجد أنهما يتفقان تماما في المعنى مع المبدأ المكيافيللي؛ ولكن الاعتياد والتقليد والحفظ عن ظهر قلب، يجعل معظم الباحثين يَشْرَعون، بشكل مسرحي مبَالَغ فيه كما يحدث عادة، في رفض المبدأ المكيافيللي، في حين نجدهم يكيلون المديح المبالغ فيه لهذين المبدأين باعتبارهما نقلة نوعية- للأمام طبعا- في علم أصول الفقه.

2- يذهب بعض الباحثين- وهم قِلَّة- إلى أنَّ مذهب ماركس السياسي والاقتصادي يُناقض ما كان يؤمن به ماركس ويمارسه فعلا على مستوى حياته الشخصية والعائلية؛ لدرجة أنَّ أحدهم لم يتردَّد في وصف ماركس بأنه مخادع وأفَّاق. واستشهد أحد هؤلاء الباحثين بأنَّ ماركس تزوج “جيني” ابنة الارستقراطي البروسي “فون وستفالن” (عام1843)، واستشهد آخر بأن ماركس كان لديه خادمة في المنزل. لكننا بمجرد قراءة حياة ماركس الشخصية قراءة كاملة، سنكتشف أنَّ هذا الاتهام ليس له أي أساس من الصحة، حيث كانت حياة ماركس في الواقع – على خلاف ما يذهب هؤلاء الباحثون المزعومون- أشبه بالمأساة أو التراجيديا المؤلمة؛ ومع ذلك لم يفكر ماركس، ولو للحظة واحدة، في التراجع عن كفاحه ونضاله العملي والنظري ضد الاستغلال الاقتصادي والظلم الاجتماعي البشع في عصره.

3- يصف بعض الباحثين- من قبيل الاستسهال أو السذاجة- السياسية الاقتصادية الحالية في مصر بأنها نموذج لـ”النيوليبرالية”، التي باتت الآن الأيديولوجيا المهيمنة عالميا، ولا أدري على أي أساس علمي يرتكز هذا الوصف. فالنيوليبرالية، حتى على المستوى العملي ذاته كما يتضح إلى حدّ كبير من خلال النموذج الأميركي، تتطلب تهيئة مُناخ من الحرية السياسية والاقتصادية، ذلك المُناخ الذي لا بدّ منه من أجل حدوث طفرة في الاستثمارات والمشاريع الخاصة، فضلا عن مُناخ من الشفافية واحترام سيادة القانون، ذلك المُناخ الذي لا بدّ أيضا منه من أجل قيام منافسة حرة بين أصحاب هذه الاستثمارات وتلك المشاريع. فتطبيق النيوليبرالية يعني الانخراط في المنافسة العالمية في الانتاج، ومن ثم في فتح أسواق جديدة خارج حدود البلاد. ليس هذا فحسب، بل والتوسُّع في الاستثمارات العابرة للقارات. وعليه، لا نستطيع أنْ نصف، من قريب أو بعيد، السياسة الاقتصادية في مصر، منذ بداية ما يُعرَف بـ”سياسة الانفتاح الاقتصادي” في عهد السادات وحتى الآن، بأنها “نيوليبرالية” أو حتى “ليبرالية” بالمعنى الكلاسيكي.

4- اعتاد معظم الباحثين- إنْ لم يكن كلهم- مهاجمة ما يُسمَّى بـ”سلطة النصّ”، أي النصّ الديني، في حين أنَّ النصوص الدينية بوجه عام هي في الغالب الأعم ليست قطعيّة الدلالة، بل أنساق من الرموز تتنوَّع قراءاتها وتختلف تأويلاتها باختلاف الذات القارئة. وهكذا لا يوجد في الواقع، وتحديدا في مجال النصوص الدينية أو المقدسة، ما يُدْعى بـ”سلطة النص”.

على ضوء ما سبق، يمكن أنْ نقول إنه لا حياة للبحث العلمي دون شعور الباحث بالاستقلال الذاتي والتحرُّر التام من أي خوف أو قلق على مستقبله الأكاديمي أو الوظيفي؛ وهذا معناه أنَّ تطوُّر وازدهار البحث العلمي مرهون بطرفين: الأول، هو الباحث نفسه، الذي يجب أنْ يتحلَّى بالشجاعة الأدبية في ممارسة النقد العلمي، والثاني، هو الأستاذ، الذي يجب أن يتخلَّى فورا عن فكرة أنه الأعلم، وكذلك- وهو الأهم- عن نظرته لنفسه باعتباره شخصا مرهوب الجانب يجب أنْ يجامله الجميع، ليس لشيء إلا لأنه يمتلك سلطة أكاديمية عليهم.

من الجدير بالذكر أنَّ المجاملات والنفاق لذوي السلطة بنوعيها، السياسية والأكاديمية، ليسا وحدهما السبب وراء تدني وضحالة معظم البحوث في الحقل الأكاديمي، بل أحيانا يكون ذلك بسبب عدم تمتُّع الباحث، أصلا، بالقدرات أو الكفاءات العلمية، أو بسبب كونه جبانا بطبيعته، أو ربما بسبب كسله وعدم صبره على التدقيق، والتنقيب، والتحقُّق، والمراجعة أكثر من مرة قبل أن يكتب أي شيء.

اختتم هذا المقال بالتأكيد على ثلاثة أشياء في غاية الأهمية:
1- الكمال لله وحده، وكل ما نملكه هي وجهات نظر وليست حقائق، لكن يجب أنْ تكون وجهات نظرنا مؤصَّلة ومنضبطة علميا.
2- النقد العلمي لا يعني إطلاقا التجريح الشخصي.
3- موهبة النقد لا بدّ أنْ يرافقها إحدى السمات الشخصية الضرورية جدا لأي باحث أكاديمي وإلا كانت هذه الموهبة بلا أي قيمة، أقصد سمة “الشجاعة الأدبية”. فالكثيرون يعرفون الحقيقة، لكن قليلون جدا الذين يمتلكون شجاعة الإعلان عنها.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك