توماس كون والتقدم العلمي – بقلم: خيال بعيد

منذ مدة كنت اعتقد انه لم يظهر مفكر حقيقي في الغرب الا ( ارثر شوبنهاور ) و ( ادموند هوسرل ) ولكني اضيف اليهما الاّن اسم ثالث هو الباحث الامريكي ( توماس كون) مؤلف كتاب (بنية الثورات العلمية ) وهو كتاب يدل على ان كاتبه عميق الادراك , كثير الاطلاع . مخلص في طلب الحقيقة , وهذه الصفات الثلاثة قلما تتوفر في باحث او كاتب او فيلسوف غربي ظهر في ما يسمى ( بالحضارة الغربية ) بسبب عملية تزييف الوعي التي تتم في الغرب بل في العالم منذ ترجمة كتب ( بن رشد ) الى اللغة اللاتينية وانخداع الاوربيين بحيل علم السفسطة الموجودة في كتبه . ولكن هذه قصة اخرى تحتاج لمقالات مفردة للكلام عنها , وانما غرضنا الان هو بيان نظرية توماس كون عن التقدم العلمي , والفرق بين نظريته وبين النظرية السائدة في عقول الكثيرين عن قانون التقدم العلمي وسر تطوره.

الفرق بين النظريتين

النظرية السائدة في الغرب عن التقدم العلمي هي ان العلم يتقدم من خلال ( التراكم ) اي كل عالم يضيف شئ الى العلم ويستمر ذلك عبر الزمان . بينما توماس كون يزعم ان العلم يتقدم من خلال ( الثورة ) لا التراكم اي ان كل نظرية جديدة تمثل قطيعة مع النظرية السابقة وتهدمها وليست هي باضافة لبناء العلم . فحسب نظرية التراكم فإن كل نظرية جديدة هي بمثابة حجر جديد في بناء العلم يتم وضعه على الاحجار السابقة وهكذا يستمر البناء عبر الزمان . واما التقدم من خلال الثورة فمعناه ان كل عالم او مفكر جديد فإنه يقوم بهدم البناء من اساسه واعادة بنائه من جديد , وهكذا تستمر عملية هدم وبناء عبر الزمان , وهذا هو الفرق بين التقدم من خلال التراكم وبين التقدم من خلال الثورة . ولكي يثبت توماس كون صدق نظريته الجديدة فقد قام باستعراض النظريات الفزيائية التى ظهرت في الغرب منذ عصر النهضة خاصة انه متخصص في الفزياء النظرية وليس عابر سبيل !!

رأيي في نظرية التقدم من خلال الثورة

في الحقيقة انا لا اؤمن بنظرية التقدم من خلال ( الثورة ) ولا بنظرية التقدم من خلال ( التراكم ) , لسبب بسيط وهو انني لا اعتقد بوجود تأخر ولا تقدم ولا تطور في العلم اصلا , بل العلم واحد لا يتغير ولا يتبدل بمرور الزمان , فمن علم ان (2+3=5) منذ الف سنة فقد علم الحقيقة التي لا تتبدل ولا تتغير بمرور الزمان . وكذلك من علم منذ الف سنة ان ( الحجر يسقط لأسفل اذا قذفناه الى اعلى لأنه فيه ميل لمكانه الطبيعي ) فقد علم الحقيقة التي لا تتبدل ولا تتغير بمرور الزمان . فإن جاء بعد الف سنة من يقول ( ان الحجر ( او التفاحة ) تسقط نحو الارض اذا قذفناه الى اعلى لأن الارض تجذبه ) فليس هذا تقدم في العلم ولا تطور بل هي نظرية خاطئة او وهم عقلي — نعم انت ربما تعترض على هذا الكلام لأنك تستدل بالمخترعات الغربية العجيبة مثل الطائرة والسيارة والصواريخ والكمبيوتر على على تقدم العلم وتطوره —– فأقول لك ان هذا استدلال خاطئ — لأنك لا تفصل بين الفزياء النظرية وبين علم ( التكنولوجيا ) او علم الحيل بلغة القدماء , فنحن لا ننكر ان هناك تقدم في المخترعات المادية عبر الزمان ولكننا ننكر وجود تقدم في العلم النظري او الفزياء النظرية . واعلم ان المخترعات الغربية الحديثة تقوم على معارف تجريبية وليس على النظريات التي تدرك بالاستدلال , فسواء اكانت النظرية صحيحة ام خاطئة فإن ذلك لن يمنع التقدم التكنولوجي .

سر اهمية كتاب بنية الثورات العلمية

اهميته لا ترجع الى صدق نظرية التقدم من خلال الثورة بل ترجع الى استعراض النظريات الفزيائية التي ظهرت في الغرب منذ مطلع عصر النهضة وبلغة واضحة سهلة من متخصص في الفزياء النظرية . مع بيان سيكولوجية الجماعات العلمية وسيكولوجية الادراك التي تجعل الانسان يقبل تصور جديد عن العالم لأسباب قد ترجع في النهاية الى بواعث نفسية او اعتبارات جمالية او ثقة في شخصية علمية مشهورة وليس الى الدليل والبرهان العلمي . وهذا الامر له اهمية كبرى لأنه يوضح بجلاء عملية تزييف الوعي التي تتم في الغرب منذ مطلع عصر النهضة والمراحل التي مرت بها هذه العملية وكيفية انتقال الغربيين من وهم الى وهم جديد , والقواعد التي تحكم عملية الانتقال هذه بين الاوهام — واخير ا اقول ( العلم الحقيقي واحد ) لا يتقدم ولا يتطور , فإن اردت ان تتعرف على العلم الحقيقي فسوف تجده في كتاب الشفاء لابن سينا , ولو كنت من اهل الفطنة والذكاء فسوف تجد في هذا الكتاب جميع النظريات الغربية التي ظهرت في اوربا مثل الجاذبية ومثل النظرية الذرية ومثل ان الارض تدور حول الشمس وليس العكس ومثل نظرية التطور , فجميع هذه النظريات ظهرت قبل ارسطو والذي قام بالرد عليها في كتبه بالدليل , وانما الذي يحدث في الغرب هو استدعاء هذه النظريات من سراديب الماضي .

خاتمة

مهما كان الرأي غريبا او مناقضا لمعتقداتك فعليك ان تتريث قبل ان تقبله او ترفضه ( ان كنت من طلاب الحقيقة ) لا من ادعياء الفكر والثقافة — وليكن الدليل هو المعيار الذي لا ترضى الا به للتصديق او التكذيب , فلا تقليد ولا ثقة الا بعد البرهان , وهذا هو قانون العلماء الحقيقين اما المزيفين فلا اعتبار لهم.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك