ما هو التراث، وكيف يتم نقده بشكل موضوعي ؟

ما هو التراث، وكيف يتم نقده بشكل موضوعي ؟ – د. محمد عجلان

 وصلت شارع طلعت حرب، بين وقت وآخر أنظر نحو حذائي، فأتوقف لأزيل ما علق به من أتربة، لم أكن لأقبل أن أصل به متسخا بعد كل هذا العناء الذي لاقيته في تلميعه. جلست على المقهى في انتظار رفقاء السوء، أستعين على تأخرهم المعتاد بتقليب ناظري بين المارة، بينما أذناي تفحصان أصوات رواد المقهى، كانت موضوعاتهم المكررة تمر على رأسي دون تركيز، لكن هذه المرة لفت نظري طرحٌ غريب على هذا المكان، فهو مقهى تقليدي، رواده بسطاء لا يجيدون الحديث سوى عن النساء وحالة الطقس، وأحيانا في السياسة بشكل يدعوك للعنها، لكن هذه المرة سمعت كلمات من عينة التراث، نقد التراث، يطرحها مجموعة من الشباب أشاهدهم للمرة الأولى، بدت على وجوههم علامات الجد رغم حداثة سنهم، نسيت أصدقائي وانشغلت بالنقاش الدائر، عرفت من حدة حوارهم أنهما فريقان، كل فريق منهما يحاول أن ينتصر لقناعاته بكل ما لديه من طاقة. أحدهما يدافع عن التراث بكل ما أوتي من حجة، بينما الآخر يهاجم التراث والمدافعين عنه. فجأة وعلى غير ترتيب مني وجدتني أنتقل إلى الطاولة التي يجلسون عليها، سحبت كرسيا وجلست دون استئذان، ارتسمت على وجوههم علامات التعجب والاستنكار معا، منْ هذا الغريب الذي اقتحم جلستنا دون سابق إنذار، بادرني أحدهم، والذي كان أكثرهم جدية في الحوار، قائلا: خير ؟! .. اعتذرت عن سلوكي الهمجي، لكني بررته باستمتاعي بالقضية التي يناقشونها، وقع كلامي على نفوسهم وقعا طيبا، فسرت في الجلسة حالة من الارتياح، كأنهم كانوا يقصدون إثارة موضوعاتهم في المقاهي والأماكن العامة ليشاركهم الناس، لكنهم لم يتوقعوا أن تكون الاستجابة بهذه السرعة. طلبت منهم أن يكملوا حديثهم، بينما كنت أتابع، لكن ما لفت نظري في الأمر أنهم يتحدثون عن التراث، قبولا ورفضا، وكأنه كتلة صماء، فوجدتني أقاطع المتحدث قائلا: هل لي أن أشارككم بعض ما تقولون ؟! .. ظهر الاستياء على وجوههم من جديد، وكأن لسان حالهم يقول: هل أتينا هنا لنُسْمع الناسَ، أم ليقاطعنا هذا المجهول الذي تبدو على وجهه أمارات البلاهة وعلى سلوكه همجية لا مثيل لها ! .. لكنهم وافقوا على مضض، فقال كبيرهم: تفضل .. ماذا تريد ؟! .. احترت بماذا أبدأ معهم، لكني فضلت تحديد المفاهيم، فطرأت على رأسي ساعتها مقولة فولتير: “إذا أردت أن تتحدث معي فعليك أن تحدد مصطلحاتك”، فسألت: ما المقصود بالتراث الذي تتحدثون عنه؟ .. تبادلوا النظرات في سخرية وتعجب، بينما أعينهم تجيبني باستنكار، وهل ثمة أحد لا يعرف معنى التراث ؟! .. لكني تجاوزت نظراتهم المستنكِرة، وأصررت على سؤالي، بدأت الحيرة تدب بينهم، وكأنهم بوغتوا بالسؤال رغم بساطته. كسر أحدهم صمت الحيرة قائلا: التراث هو الأفكار المتطرفة التي تركها لنا شيوخ الماضي. وما أن نطق بهذا التعريف حتى بادره آخر بالاعتراض، قائلا: هذا التراث الذي تتحدث عنه هو ذخيرة تركها لنا الآباء، ولن يصلح حالنا دون الرجوع إليها. فأراد ثالثٌ أن يفض حالة الاشتباك التي ظهرت بوادرها بين الطرفين، فطلب من الجميع أن يلتزموا الهدوء والحيدة، مؤكدا على أن التراث هو الأفكار التي تركتها لنا الأجيال السابقة. وبينما الجميع في حالة من الأخذ والرد، ظهر رجل كأنه هبط من السماء، ودون أي مقدمات أخذ يقول: “التراث يا سادة هو كل ما تركه السابقون، سواء كان هذا المتروك ثقافيا أو أدبيا أو سياسيا أو معماريا أو علميا، مما يعني أنه أشبه بذاكرة الأمة”، وكما ظهر على غير توقع اختفى فجأة، تاركا الجميع في حالة ذهول، من هذا وكيف ظهر وإلى أين ذهب، يبدو أنه يوم الغرائب. وقبل أن يخرجوا من حالة ذهولهم وتسترخي عقولهم من جديد، عاجلتهم بسؤال آخر: من خلال ما ذكرتموه هل يمكن أن نعتبر التراث شيئا واحدا، أم أنه أشكال عديدة ؟ .. لم يكن السؤال صعب الإجابة، فأخذوا ينظرون لبعضهم البعض، وكأنهم يوزعون الأدوار بينهم، فأجاب من وقع عليه اختيار عيونهم: التراث فروع عديدة، منها الأدبي والفلسفي والديني والعلمي والمعماري .. الخ. فأردت ألا تفلت هذه الفرصة من بين يدي، فسألت على الفور: إذا كان التراث بهذا التنوع، هل يجوز الحديث عن التراث وكأنه كتلة واحدة تؤخذ كاملة أو تُترك دون استثناء .. هل يجوز أن نعامل ابن رشد باعتباره جزءا من التراث الفلسفي كابن تيمية الذي هو جزء من التراث الديني .. هل يمكن أن يتساوى جابر بن حيان مع ابن حنبل .. هل ابن الهيثم قدّم نفس ما قدمه ابن سينا ؟! .. نزلت الأسئلة على رؤوسهم كأنها طلقات نارية، ساد الصمت من جديد، أخذ كل فريق ينظر للآخر متعجباً، فلم يكونوا في جدالهم ينظرون للتراث باعتباره ثريا بهذا الشكل، بل كانت معظم نقاشاتهم لا تخرج – في الغالب – عن سياق التراث الديني، وكيف وظفه بعض المتشددين ليمنحوا عنفهم شرعية دينية. ثم ها هم أمام تراث متعدد الجوانب، فلا تكاد تستاء من نافذة حتى تأخذ عينيك شرفة بديعة الصنع. أردت أن نخرج من هذا الصمت الذي نزل علينا كسكينة الموت، سألتهم: هل يجوز نقد التراث باعتباره شيئا واحدا؟ .. بدأوا يستعيدون أنفاسهم من جديد، كان بعضهم يرى أن كل التراث يجب تجاوزه باعتباره تعبيرا عن الماضي، وأننا مطالبون بإبداع جديد يتناسب مع طبيعة عصرنا، بينما آخرون يرون في هذا الثراء مادة خصبة يجب أن تكون أساسا ننطلق منه، وإذا بأحدهم يخرج من صمته، فلم يتحدث منذ بداية اللقاء، فيقول: نقد التراث واجب، أيا كان نوع هذا التراث. كانت هذه فرصتي لأختبر ماذا يقصده هؤلاء بكلمة “نقد” .. سألته: ماذا تعني بـ “نقد التراث” ؟ .. فأجاب بكل هدوء العارفين: هو أن نعرض لعيوبه، فالاعتماد عليه هو الذي صنع كل هذا العنف الذي نعاني منه الآن، يجب علينا فضحه دون خوف. ثم بدأت المساعدات تأتيه من العقول المجاورة، فهذا يرى النقد هجوما على الماضي لكسر قداسته الزائفة، وآخر يعتبره آلة هدم لكيانات أصبحت زائدة عن حاجة العقل العربي. بينما كانت الإجابات تحاصرني من كل جانب، وكأنهم يجلدونني لأني ارتكبت جريمة السؤال، لمحت أحدهم يفكر في صمت وكأنه غاب عنا بأمر آخر، ثم تحدث قائلا: النقد هو عملية فحص لموضوع ما بهدف كشف المميزات والعيوب معا. كانت إجابته واضحة، لكن ذكر كلمة (مميزات) في تعريف النقد كانت صادمة لأصدقائه، كأنهم لا يفهمون من النقد سوى الهجوم وإبراز العيوب لا غير. وبينما نحن في حمى النقاش، إذا بأصدقائي يهاتفونني معتذرين عن عدم الحضور، لم أشعر بالضيق هذه المرة، فقد غرقت في النقاش لدرجة أنستني الأصدقاء والموعد، بل نسيت الشيشة التي لم تكن تغادر فمي طوال جلوسي على المقهى. أردت أن أستأذن كي لا أثقل عليهم أكثر من ذلك، رغم أني شعرت أنهم أكثر تعاطفا معي الآن، ومما أسعدني أني قرأت في هدوئهم هذه المرة راحة خاصة، تذكرت من جديد مقولة فولتير حول تحديد المصطلحات، وتأكدت أن أي حديث دون تحديد المصطلحات سيكون كبيتٍ أُسّس على رمال متحركة. استأذنتهم، طلبوا رقم هاتفي، معلنين عن رغبتهم في تكرار اللقاء، عبرت عن سعادتي، وانصرفت.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك