سقراط أول شهيد لمخالفة الرأي السائد في التاريخ – بقلم: لجين الزايدي

يمتلك كل مجتمع أفكارًا وقناعات عمّا يجب أن يؤمن به المرء، وتُقدم هذه القناعات بشكل إلزامي وتوصف هذه المعتقدات بكونها ” الرأي السائد” أو “العرف” تقرر ماعلى المرء ارتداؤه والأشخاص الذين ينبغي احترامهم.وبشكلٍ أدق أعني أن هذه المعتقدات تعين الحياة التي ينبغي أن تعاش.. لمثل هذه المعتقدات جذور راسخة وقوية وسيبدو الشروع في نقد هذه المعتقدات أمرًا مستنكرًا بل عدوانيًا. تخيل أنه بالكاد يكون مقبولًا التساؤل عنها ولو من باب الفضول مشروعًا، كان لليونانيين القدماء الكثير والكثير من معتقدات الفهم السائد وكانت تفرض عليهم بتصلّب وجلف.كانت اليونان القديمة تؤمن بأكثر من آلهه، آلهه للحب، للصيد والحرب، آلهه مسؤلة عن النار والبحر، وعن الحصاد. وقبل شروعهم لأي عمل كانوا يصلون لتلك الآلهه اما في مقام مقدسٍ صغير في المنزل او في المعابد، و يقدمون اليها احيانا بعض الأضاحي وتعلم كم يكون هذا مكلف فمثلًا: أرتميس وأفرودايت عنزة، أثينا تكلف بقرة كاملة،أسقليبيوس ديكًا أو دجاجة!.أيضًا كانوا يشعرون بالتفاؤل لكونهم يمتلكون العبيد تخيل معي أنه في أثينا وحدها كان يوجد ٩٠ الي١٠٠ عبد أي مايقارب عبد لكل ثلاثه أحرار، كما كانوا يميلون للنزعة العسكرية ويقدسون الشجاعة في المعارك وكي يصبح الرجل شجاعًا مقداما كان لابد له أن يتقن حز رؤوس الأعداء، حتى النساء كانوا خاصعين تمام الخضوع للهيمنةِ الذكورية اليونانية فلم يكن لها دور في الفلسفة، السياسة أو حتى الحياة العامة محرومات من الميراث يتزوجن في سن الثالثة عشرة ويتم اختيار الزوج عن طريق الأب بصرف النظر عن التوافق العاطفي. كل هذه الأفعال كانت عادية ولم تكن جديرة بملاحظة معاصري سقراط كانوا مثلا سيشعرون بالإهانة عند. سؤالهم عن سبب تقديم العنزة لأفرودايت أو عن السبب الذي يمنع النساء من امتلاك المال. كانت تعد هذه الأسئلة بليدة ومحلًا للتهكم كأن تسأل عن سبب كون النار حارة أو عن السبب الذي يكون فيه الخريف قبل الشتاء. لم تكن عدائية الآخرين هي السبب الوحيد الذي يمنعنا من نقد الوضع السائد هذا، اذ قد يضعف ارادة التشكيك الخاصة بنا من ذواتنا فيجول في أذهاننا عادةً انه يبدو من غير المعقول أن يكون مجتمعنا مخطيء على هذا النوح الفادح في معتقداته ونكون “نحن” من بين الكم الهائل من الأشخاص الوحيدين الذين أدركوا الحقيقة. اننا نخمد شكوكنا ونتبع سياسية القطيع دومًا لأننا مازلنا نشك في ذواتنا وعاجزون عن اعتبار أنفسنا روادًا في اكتشاف مفاهيم وحقائق لاتزال صعبة حتى الآن.

ومن أجل المساعدة في معالجة هذا الخنوع نلجأ لقصة سقراط

ولد في أثينا عام469ق. ويعتقد أن والده كان نحاتًا وأمه قابلة، في صباه كان طالبًا لدى الفيلسوف أرخلاوس، ثم مارس الفلسفة بعد ذلك بدون تدوين ولم يدونها وينقلها إلينا إلا تلميذه أفلاطون بعد موته، لم يكن يتقاضى الاجر مقابل دروسه كان زهيدًا اذ كان يرتدي العباءة نفسها طوال العام، ويكاد أن يمشي حافيًا طوال الوقت(يقال أنه ولد ليكون نكايةً لصانعي الأحذية) ولقد كان له سِمته الأشد غرابة اذ ينزل الى أثينا ليمطر الماره بأسئلته المحرجة غالبًا، وذلك لكي يفسر لهم عن سبب اعتناقهم لهذه المعتقدات السائدة، اذ قال يومًا أحد هؤلاء الأثينيين: “كلما كان أحدنا يواجه سقراط ويتحدث إليه فإن ما يحدث (بصيغ متعددة) هو أنّ سقراط برغم انطلاقه من بداية مختلفة كليًا كل مرة فإنه يستدرج محدثه بالكلام إلى أن يقع في فخ توصيف حياته الحالية، وكيف عاش حياته في الماضي. وما إن يقع في الفخ، لايتركه سقراط بسلام قبل أن يكون قد تمحص كل زاويةٍ فيه”
وقد طرح الفيلسوف الحافي عدة من الأسئلة التي زعزت تلك القيم وبدأ الشارع الأثيني يتساءل هل هو مجنون أم على حق؟! أن يذاع صيتك في أثينا ليس بالأمر الهيّن مما استدعى أشرافها أن يغضبوا ويسخطوا على سقراط.وجهت له الكثير من الاتهامات،مضايقة الناس، الكفر بالآلهه وغيرها.

كرست أثينا إجراءات للتمييز بين الصح والخطأ.كانت عبارة عن هيئة محلفين في مبنى ضخم بكراسي خشبية للمحلفين على جانب ومنصة الادعاء على الجانب المقابل. كانت المحاكمات تبدأ بخطاب افتتحاي للإدعاء يليه خطاب الدفاع. بعدها تقرر الهيئة أين تكمن الحقيقة اما بالتصويت أو رفع الأيادي،كانت طريقتهم في إقرار الصح عبر إحصاء عدد أنصار أحد الطرفين مستخدمين هذه الطريقة في جميع نواحي الحياة السياسية والقانونية الأثينية..كان ثمة ٥٠٠ مواطن يوم محاكمة سقراط، بدأ الادعاء كلامهم في التفكير في ماذا لو كان الفيلسوف الماثل أمامهم رجلاً شريرًا كان قد شكك في الأشياء تحت الأرض وحتى التي بالسماء كان مهرطقًا اضافة الا انه لجأ إلى أدوات بلاغية مراوغة لجعل الحجج الضعيفة تغلب القوية. حاول سقراط الرد على الاتهامات فسر أنه لم يطرح يومًا نظريات عن الأرض والسماء ولم يكن مهرطقًا بل شديد الإيمان بالأمور الإلهيه، عدا أن الاجراء الصحيح لمناقشته هو الحوار الهاديء في أزقة أثينا لا قاعة المحكمة بعد أن دافع سقراط عن نفسه بكل بسالة، جاء دور المحلفين الخمسة لان يبتوا بالقضية جاء الرد على أنه٢٢٠ على أن سقراط غير مذنب و٢٨٠ على أنه كذلك، رد الفيلسوف بتهكم ” لم أكن أظن أن الفارق سيكون ضئيلا إلى هذا الحد” لم يفقد سقراط ثقته بكثره عدد معارضيه، هل فهمت ما أعني؟! أي أنه ماينبغي أن يقلقنا ليس عدد الناس الذين يعارضوننا بل مدى قوة الأسباب التي تدفعهم لهذا، أتفهم أنه كم يبدو مخيفًا أن نسمع أن نسبة عالية من مجتمعنا تعتبرنا مخطئين. ولكن يقول سقراط” أعتقد أنه من الجيد أن لا يحترم المرء جميع الآراء البشرية بل بعضها فحسب.. وأن على المرء احترام الآراء الجيدة لا السيئة؟.. والآراء الجيدة هي تلك الصادرة عن أناس ذوي فهم ، أما السيئة فتصدر عن الذين يخلون من الفهم..لذا ياصديقي لاينبغي لنا أن نكترث إلى هذا الحد بما يقوله العموم عنا، بل مايقوله الخبراء في شؤون العدل والظلم.”كانت معارضة الأثينين له قد تسببت في مقتله ولكنها لم تدفعه لتبني الخطأ كان يمكن له التراجع في فلسفته وإنقاذ حياته بالأولى. حتى بعد اعتباره مذنبا كان يمكن له النجاة من عقوبة الإعدام.. علينا اتخاذ سقراط مثالًا متطرفًا عن كيفية الإحتفاظ بالثقة في موقف فكري يواجه معارضة لامنطقية. اخيرًا حكم على سقراط بشرب السم وجاء اصدقاؤه إلى سجنه وعرضوا عليه مهربًا سهلًا فقد رشوا الموظفين الذين يقفون بينه وبين الخلاص ولكنه رفض لقد قال لأصدقائه الحزينين افرحوا فأنتم توارون في جسدي فقط. وقد صور تلميذه أفلاطون كلماته الأخيرة في فقرات تعد من أفضل فقرات الأدب عبر التاريخ:” فلقد اقتربت ساعة غروب الشمس إذ مر وقتٌ طويل ونحن في الداخل، وعندما خرج علينا جلس معنا مره ثانية ولكنا لم نتحدث سوى قليلًا.. ودخل علينا السجان أنت تعرف مأموريتي وبعدها انفجرت دموعه وخرج.. قال سقراط أنت ياصديقي السجان المجرب في هذه الأمور هل تدلني كيف أفعلها وكيف أشرب السم؟ وأجاب الرجل عليك أن تمشي فقط إلى أن تشعر بثقل قدميك فتستلقي وبهذا يسري الدم في جسدك..إلى آخره.”

أما بعد موته فهناك رواية يرويها لنا الصقلي أن الأثينين ندموا على فعلتهم وأعدموا من اتهموه.

قد يكون من السذاجة الجزم أن مخالفة الأراء السائدة مرادفة للحقيقة، أو أنها مرادفة للخطأ يجب أن لا نحدد صحة فعل ما او فكرة اذا كانت محمودة أو مذومة بشكل واسع أو سائد بل إذا كانت توافق قواعد المنطق.

المصادر
حلم العقل
عزاءات الفلسفة
أطلس الفلسفة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك