دخل اساسي ثابت للجميع بلا شروط .. هل يفعل الفيروس ما عجز عنه خبراء الاقتصاد ؟

فى ظل ما يشهدة العالم اليوم من اضطراب اقتصادي واسع ناتج عن اضطرار الحكومات حول العالم لايقاف الانشطة الاقتصادية المتنوعة كليا او جزئيا صعدت الى السطح من جديد المطالبة بتطبيق فكرة أقتصادية ثورية قائمة على ان تقوم الحكومات بمنح مواطنيها راتب ثابت يكفي الاحتياجات الاساسية بغض النظر عن دخلهم الفعلي وكونهم يعملون ام لا !
كانت الفكرة تبدوا غاية فى الغرابة وقت طرحت منذ سنوات ولم تكن مبررات توفير سقف حماية للمواطنين من تقلبات السوق الحر الذى قد يجعلهم عاطلين فى اي وقت و رفع مستوى معيشة الاكثر فقرا لحمايتهم من الانحراف و الجريمة و عواقب الفقر المدقع كافية لقبولها خاصة وان تكلفتها تستلزم اعادة تشكيل النظام الضريبي وطريقة انفاق الدولة بطريقة جذرية .. ولكن اليوم حين تطالب الحكومات عموم الناس بالبقاء بالمنازل تكتسب تلك الفكرة رونقاً ونجد الان صراع بين المشرعين الامريكين حول منح كافة المواطنين راتب يتراوح بين الف والفين دولار حتى تستقر الاوضاع على الاقل .
وان كانت جذور تلك الفكرة ظهرت فى الغرب فى القرن السادس عشر على يد توماس مور ثم فى اواخر القرن التاسع عشر على يد توماس سبنس و توماس بين الا ان الفكرة تم طمرها فى القرن العشرين باعتبارها اقرب للشيوعية من الليبرالية التى ترسخت فى الغرب ولم تظهر بقوة الا فى اعقاب الازمة الاقتصادية العالمية 2008 م و فى العقد التالى تمت العديد من التجارب المحدودة للفكرة بكندا و فنلندا و الهند وغيرهم أثبتت خطأ الاعتقاد غير العلمي ان كفالة الحد الادني من متطلبات الحياة سيدفع الناس الى التكاسل وعدم العمل حيث حدث العكس وتمكن من تحولت حالتهم الى الاستقرار المادي من تحسين حياتهم وتطلعوا لاعمال افضل وتعليم ابنائهم و اكتساب معارف وخبرات والمشاركة الايجابية فى المجتمع ولكن المحاولة الاكبر لتطبيقها كانت من خلال استفتاء اجري فى سويسرا 2016 لتطبيقها على كامل البلاد و لكن غالبية المواطنين رفضوا تطبيقها وقتها .
ومؤخرا اعلن مرشح الرئاسة الامريكية 2020 اندرو يانج دعمة للفكرة كما دعمها مؤسس الفيس بوك مارك زوكربيرج و رئيس تسلا أيلون ماسك وان كان أسسا دعمهما على رؤية مستقبلية ان الاعتماد على الالكترونيات والروبوتات سيقلل من فرص العمل للبشر بدرجة كبيرة فى المستقبل القريب مما يجعل حصول كافة البشر على دخل اساسى كافى ضرورة حتى لا يتعرض الاقتصاد لموجات كساد وركود نتيجة زيادة حجم الانتاج عن القدرة الشرائية للمواطنين , ولم يكن دعمها للفكرة لاسباب أجتماعية او ايدولوجية .
وقد يتعجب البعض أن قلنا ان هذه الفكرة التى تبدوا اشتراكية حمراء لها فى الفقة الاسلامي لهذا الامر أصول عميقة ..
ففي السنة الاولى من عهد ابي بكر الصديق ظهر الفائض المالي من مال الخراج لاول مرة فى الدولة الاسلامية الناشئة فقسم ابى بكر المال بين الناس بالتساوي على الصغير والكبير الحر والمملوك و الذكر والانثي بلا تفرقة فكان نصيب كل فرد سبعة دراهم وثلث , ثم ارتفع نصيب الفرد فى العام التالى الى 20 درهم.
وفى عهد عمر ارتفع الفائض فأنشأ ديوان العطاء و رتب الناس منازل فجعل لازاوج النبي و العباس أثنا عشر الف درهم و للحسن والحسين وقدامي المسلمين من المهاجرين و الانصار ممن شهد بدر خمسة الالاف درهم و من لم يشهدها اربعة الاف ولابناءالهاجرين و الانصار الفين و سائر الناس ثمانمائة درهم و يذكر الامام ابي يوسف ان عمر فى اخر عهدة أتجه الى ان يساوى بين الناس فى العطاء ولكنة توفي قبل نهاية العام .
ولكن هذا الوضع سرعان ما تغير فمع صعود الامويين ارتبط العطاء بالولاء فكان يمنح بناء على موافقة الافراد والقبائل لسياسة الامويين و الاصطفاف معهم ضد اعدائهم و يمنع ممن لا يبدون حماسة فى الدفاع عن الدولة و تدريجيا انسحبت الدولة من دور كفالة الحياة الكريمة لسائر افرادها من خلال العطاء الذي استئثر به العسكريين و الشعراء وموظفي الدولة ومقربيها بلا حساب ولا قواعد ثابتة ولكن الفقة لم يتجاهل المسألة كما تجاهلتها الدول ..
وقد تناول الفقة الاسلامي المسألة من باب مصارف الزكاة و الخراج والفىء فاتفقت كلمتهم على ان لا يترك احد لا يجد كفايتة من الاحتياجات الاساسية واختلفوا فى الكيفية
فنجد الشافعي يقول ( وينبغي للإمام أن يحصي جميع ما في البلدان من المقاتلة وهم من قد احتلم , او قد استكمل خمس عشرة من الرجال ويحصي الذرية وهم من دون المحتلم ودون خمس عشرة سنة والنساء صغيرهن وكبيرهن ويعرف قدر نفقاتهم وما يحتاجون اليه في مؤناتهم بقدر معاش مثلهم في بلدانهم ثم يعطي المقاتلة فى كل عام عطائهم والذرية ما يكفيهم لسنتهم من كسوتهم ونفقتهم طعاما او قيمته دراهم أو دنانير ويعطي المنفوس شيئا ثم يزاد كلما كبر على قدر مؤنته وهذا يستوي في أنهم يعطون الكفاية ويختلف في مبلغ العطايا بأختلاف أسعار البلدان وحالات الناس فيها ).
ومثل ذلك نجد ابن حزم يقول (وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ، ويجبرهم السلطان على ذلك ، إن لم تقم الزكوات بهم ، ولا في سائر أموال المسلمين ، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك ، وبمسكن يكنهم من المطر ، والصيف والشمس ، وعيون المارة )
وبينما ذهب بعض المالكية والحنابلة الى اعطاء الفقير من اموال الزكاة كفاية السنة و تجدد فى كل عام بحسب حاجتة ..
نجدالنووي يقول( قال اصحابنا(فى الفقير ماذا يعطى من الزكاة) فان كان عادته الاحتراف أعطي ما يشتري به حرفته أو آلات حرفته قلت قيمة ذلك أم كثرت ويكون قدره بحيث يحصل له من ربحه ما يفى بكفايته غالبا تقريبا ويختلف ذلك باختلاف الحرف والبلاد والأزمان والأشخاص وقرب جماعة من أصحابنا ذلك فقالوا من يبيع البقل يعطى خمسة دراهم أو عشرة ومن حرفته بيع الجوهر يعطى عشرة آلاف درهم مثلا إذا لم يتأت له الكفاية بأقل منها ومن كان تاجرا أو خبازا أو عطارا أو صرافا أعطي بنسبة ذلك ومن كان خياطا أو نجارا أو قصارا أو قصابا أو غيرهم من أهل الصنائع أعطي ما يشتري به الآلات التي تصلح لمثله وإن كان من أهل الضياع يعطى ما يشتري به ضيعة أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها على الدوام قال أصحابنا فإن لم يكن محترفا ولا يحسن صنعة أصلا ولا تجارة ولا شيئا من أنواع المكاسب أعطي كفاية العمر الغالب لأمثاله في بلاده ولا يتقدر بكفاية سنة قال المتولي وغيره يعطى ما يشتري به عقارا يستغل منه كفايته قال الرافعي ومنهم من يشعر كلامه بأنه يعطى ما ينفق عينه في مدة حياته والصحيح بل الصواب هو الأول هذا الذي ذكرناه من إعطائه كفاية عمره هو المذهب الصحيح الذي قطع به العراقيون وكثيرون من الخراسانيين ونص عليه الشافعي وذكرة البغوي والغزالي وغيرهم من الخراسانيين انه يعطى كفاية سنة ولا يزاد لأن الزكاة تتكرر كل سنة فيحصل كفايتة منها سنة سنة وبهذا قطع ابو العباس ابن القاص فى المفتاح والصحيح الاول وهو كفاية العمر )
فيمكننا القول ان خلاصة الموقف الاسلامي هو عدم جواز ترك الناس يعانون الفاقة ووجوب كفالة الأحتياجات الاساسية للحياة الأدمية للكافة سواء قامت الدولة بذلك او نظم المجتمع نفسه للقيام بهذا الدور ان تقاعست عنه , وان كان ذلك الفقة قد خفت مع العصور الحديثة ولا يتم ذكرة فربما يكون الوقت ملائم لاعادة النظر فيه بوضع حلول عملية تناسب العصر ومقتضيات الواقع .
وضمان الحد الادني من الدخل اللازم للمعيشة للجميع وان كان يبدوا مفرط التكلفة للوهلة الاولي الا انه بالتدقيق يظهر مقدوراً عليه , فان ارادنا وضع نموذج عملي نجد تحويل دعم الغذاء و الطاقة (يتم اهدار نسبة كبيرة منهم وبالاضافة الى سوء التوزيع يضاف اليهم تكلفة التوزيع والرقابة عليه بدون ضمان لوصول الدعم لمستحقية المقصودين )الى دعم نقدي و سداد الفارق بضريبة عادلة التوزيع واقتصاد فى النفقات السيادية له عظيم الاثر فى أنعاش السوق و رفع القوة الشرائية للمواطنين الذين يصبح لديهم فائض ينفق على الكماليات و التحسينات و يزداد بقدرة الادخار و الاستثمار بالاضافة الى حماية المجتمع من غوائل الفقر و توابعه الجسيمة
الازمات عادة قاطرة التغيير و المحن أبواب الحلول غير التقليدية وهذه المرحلة فرصة لاعادة النظر فى الكثير من الامور كحقوق الملكية الفكرية للادوية و التى تمثل عائقا امام استعمالها على نطاق واسع حيث تغالى الشركات المالكة لحقوقها فى اسعارها وكذلك علاقات العمل و اقتسام الادوار بين الدولة والمجتمع المدني الذى اصبح مطالبا باداء الكثير من المهام بينما يكاد يحظر وجودة فى العديد من الدول .. ان كان لدينا بعض وقت الفراغ فلنتفكر.
**المصادر
الخراج للأمام ابي يوسف ص 53 وما بعدها
المحلي بالاثار للأمام ابن حزم ص303
الام للأمام الشافعي ج4 ص 162
المجموع للأمام النووي ج6 ص 194

http://en.wikipedia.org/wiki/Basic_income

 

Is this the moment for universal basic income?

 

Stanford scholar explores pros, cons of ‘basic income’

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك